صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ نهاية النظام العالمي وانهيار منظومة القيم الكونية: دروس من غزة وحرب إيران واسرائيل

slama
كتب: نوفل سلامة

حقائق بسيطة عما يدور في هذا العالم المضطرب والقلق.. ومعطيات من الواضحات الفاضحات عن الظلم والفساد الذي يعمه، ويدركها اليوم الجميع وخاصة شعوب دول الجنوب، تفيد أن عالمنا الحالي الذي نحياه وكما تشكل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية يقوم على منطق القوة الفجة المتغلبة..

منطق الاستقواء

وأن النظام العالمي الذي خطط له الغرب وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية مؤسس على منطق الاستقواء بدعوى الحفاظ على السلم والأمن العالميين، بدل القانون الدولي ونفوذ المؤسسات الدولية التي روج لها الغرب على أنها هي الضامن الوحيد للحفاظ على علاقات هادئة سلمية ودون نزاعات ولا احتقان ولا حروب…

زيف وخداع
اليوم اتضح أن ما ادعاه الغرب المتفوق عسكريا وتكنولوجيا من أن نظامه العالمي ومنظومة عولمته الكونية المتحكمة في كل المجالات الفكرية والقيمية و الحقوقية والتجارية والاقتصادية وحتى اللغوية لينظم بها العلاقات بين الشعوب والدول قائمة على جملة من المؤسسات والهياكل الدولية ومبنية على قيم كونية، من مساواة وعدالة وإنصاف وحريات واعتراف بالاختلاف مع التكامل ما هو إلا زيف وخداع ومراوغة وتضليل..

مصالح أمريكا

وأن الحقيقة أن هذا الغرب وتحديدا أمريكا توظف كل هذا البناء العالمي من أجل مصالحها الاستراتيجية ومن أجل السيطرة وإدامة الريادة وخاصة الاستحواذ على القوة واحتكار، التفوق وأن العلاقات بين الدول المتقدمة ودول الضفة الأخرى التي تشكل دول الجنوب يحكمها منطق القوة ولا شيء غير القوة الغاشمة ولا شيء غير منطق الغلبة والارغام..
وأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين ومعها إسرائيل الولاية 51 التابعة لها غير مستعدين ولا قابلين بالتراجع أو التوقف عن احتكار التفوق العلمي والتكنولوجي والعسكري وهم لا يسمحون بمن يشاركهم، ولو قليلا من الريادة المعرفية والعلمية…

كذبة الغرب ‘الضامن الوحيد’

وخاصة مشاركة دول الجنوب التي حسب الاستراتيجية الغربية يجب أن تبقى دوما تابعة لهم وفي علاقة ترابط متواصل في كل المجالات، وممنوع عنها امتلاك ما يعتبر قوة تُخيف وتُهدد الوجود الغربي من أجل ذلك يسعى الغرب جاهدا إلى ترويج أن امتلاك أي قوة أخرى خارج الفضاء الأوروبي الأطلسي هو تهديد للسلم والأمن العالميين من شأنه أن يفتح الباب واسعا لاندلاع حروب مدمرة للعالم وبالتالي فإن بقاء كل القوة في يد الغرب هو الضامن الوحيد لهذا التوازن الاستراتيجي الذي تحتاجه الإنسانية.

منطق القوة الغاشمة

لقد بيّنت الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية أن الغرب الأطلسي المساند لـ كيان الاحتلال الاسرائيلي وخاصة الدعم الواضح للولايات المتحدة الأمريكية له يتحرك وفق منطق القوة وأنه حينما يشعر بأن مصالحه الاستراتيجية مهددة يتحول سلوكه تجاه الخلافات والنزاعات من المنطق السلمي لتهدئة الأوضاع وإيجاد حلول عادلة إلى سلوك عنيف مؤسس على إلغاء وتغييب منطق الحق الإنساني وتعويضه بمنطق القوة الغاشمة والقوة الملزمة…

استهداف نخبة العقول

وأن ما حصل في هذه الحرب وما نتج عنها من قتل متعمد للعلماء الإيرانيين واستهداف للعقل العلمي الإيراني بموافقة من أمريكا ومباركة من الغرب يؤكد بكل وضوح أن أصل المشكلة هو التخوف الغربي من أن تمتلك قوة أخرى العلم والمعرفة..
لذلك كان قتل العلماء الفيزيائيين العراقيين والمصريين من قبل واليوم النخبة العلمية الإيرانية هو استهداف للقوة العلمية والقضاء على العقل العربي والإسلامي المبدع و تدمير لكل محاولة للاستقلال المعرفي عن الغرب، وفك كل ارتباط معه في مجالات البحث العلمي الاستراتيجي من أجل الوصول للريادة العلمية و التفوق وبناء القوة الذاتية…
وهذه الحقيقة التي كانت من قبل معروفة وزادتها الحرب الإيرانية الإسرائيلية وضوحا وتأكيدا تبرز أن النظام العالمي الحالي ومنظومة العولمة التي تحكم بها أمريكا العالم مبني على عقيدة وإيمان بضرورة أن يبقى الغرب ومعه إسرائيل المتفوق الوحيد في المجال العسكري وفي مجال الأبحاث العلمية المتطورة وخاصة في مجال الفيزياء لقطع كل طريق أمام اكتساب القوة النووية التي يجب أن تبقى حكرا على الغرب وبأيدي الدول والحليفة والموالية لها.

كذبة كبرى

لقد كشفت الحرب الإيرانية الإسرائيلية ومن قبل الحرب على غزة بعد عملية طوفان الأقصى أن النظام العالمي الحالي يقوم على الزيف والخداع، وأن منظومة القيم العالمية ومنظومة الحقوق الكونية التي روجوا لها وفرضوها بالقوة على أنها أفضل ما وصل إليه العقل الغربي لبناء مجتمع عالمي يسوده السلم والأمن والإخاء والعدل ما هو في الحقيقة إلا كذبة كبرى نجدها اليوم تتهاوى وتسقط وأن حداثة الغرب وفكر عصر أنواره انهارت أخلاقيا وأن منظومته للحقوق الكونية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها والمحافظة على هويتها وسيادتها..
وكذلك الفكرة القائلة باحترام خصوصية الحضارات والثقافات المختلفة واحترام الأديان واللغات كل ذلك أصبح اليوم أمام ما شاهدناه في العدوان على إيران وما يحدث لسكان غزة من قتل متعمد ومنظم وابادة جماعية جرمتها محكمة الجنايات الدولية، هو إعلان على نهاية هذا النظام العالمي ومعه نهاية منظومة أفكاره وتفكك مقولاته الكونية ومؤسساته وهياكله التي اتضح أنها جعلت لخدمة مصالح هذا الغرب وضمان تفوق وقوة الدول والحكومات الغربية الأطلسية لا أكثر ولا أقل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى