صالون الصريح

يوسف الرمادي يكتب: المعركة الحاسمة ضدّ المستعمر حرّرت المرأة التونسيّة

aramadi
كتب: يوسف الرمادي

…وأنا أعدّ كتابي الذي سيصدر عن قريب عن العلاقة بين الزعيم الحبيب بورقيبة ومحمّد المصمودي رجعتُ للرسائل التي كان بعث بها المصمودي حين كان مسؤولا عن مكتب باريس للحزب الدستوري، لرموز الحركة الوطنيّة الذين كانوا في المهجر أو الذين كانوا يديرون شؤون الحزب في الداخل…

وهي رسائل ضمّنها المرحوم الباهي لدغم في كتاب تحت عنوان :”الباهي لدغم مراسلات 1952-1954 السنوات الحاسمة.
وهي رسائل يتابع من خلالها المصمودي مواقف الحكومة والنوّاب والأحزاب الفرنسيّة تجاه القضيّة التونسيّة حتّى تُتَّخذ المواقف عن رويّة وعن معرفة بمواقف المستعمر…كما كانت هذه الرسائل تصف الوضع في تونس وخاصة مواقف الباي وتحرّكات البلاط من حوله ومواقف المقيم العام الفرنسيّ وخاصة الطاغية ‘ديهوتكلوك’، وكان رجالات الحزب المُبعدون يطّلعون على مضمون هذه الرسائل ويبدون رأيهم فيما يجب اتّخاذه من إجراءات تفيد القضيّة وتحرّض الشعب للمشاركة في المعركة ومواصلة الكفاح رغم التعسّف الذي يعمد إليه المستعمر…

رسالة إلى صالح بن يوسف

وفي إحدى هذه الرسائل التي بعث بها المصمودي لصالح بن يوسف عندما كان في بلجيكا، وفي القسم الذي يهمّ الوضع في تونس تحدّث المصمودي عن الشعب الذي كانت معنوياته ممتازة…
فالشباب وحتّى أطفال المدارس الابتدائيّة عند الخروج من المدارس القليلة التي لم تغلق أبوابها كانوا يتجمّعون في موكب ‘كورة’ و يصرخون: “رحمان يا رحمان هذا عبدك وزارة البكوش هزها عندك” بينما باعة الجبن والحليب يصيحون :”الربيع ربّع و”ديهوتكلوك” ضبّع”… الوضع ممتاز والثقة تامة في المستقبل وتحرّك دائم، ومهما كان المخرج من المعركة فنحن من الآن الرابحين..

فالمرأة عندنا تعطي المثل ومئات من المناضلات هنّ إمّا في السجون أو من المُبعدات في المحتشدات على مشارف الصحراء، وآلاف الأُخريات يواصلن المعركة إلى جانب الرجل فهنّ يسعفن المتضرّرين ويهاجمن الدبّابات والرشّاشات بإيمانهنّ مستعينات بالحجارة…وللقيام بهذه المهمّة على أحسن وجه فقد تخلصنا من اللحاف (السفساري) الذي يُعِيقُهنّ عن التحرّك، كما أنّه صار مصدر شبهة… فهنّ ينتعشن في معركة تحرير.
فعشر سنوات من التوعيّة لم تكن كافيّة لِيَتَخلَّصْن من اللحاف ومن كلّ العقليّة التي يمثلنها..وعندما نتذكّر أنّ في أحداث 1938 لم تكن النسوة فقط غائبات عن المعركة بل كنّ يَضْغَطْن على معنويات الرجال بطريقة كارثيّة..فليس من المبالغة في شيء إن قلنا أنّنا قطعنا مرحلة وأنّ تقدّمنا العالم في كلّ الميادين يقع بأكثر سرعة مّما كنّا نعتقده. فالنسوة يقمن أحيانا بضربات لا يمكن إلّا لخيالهنّ الخصب أن يخترعها.
مثلا: في يوم من الأيام رموز البرجوازيّة اجتمعن بعد أن تحلين وتزيّن وقرّرن أن يذهبن عند الوزراء لتهنئتهم وعندما اجتمعن في فناء منزل “بن رايس” وكانوا يبالغن في تقديم التهاني لزوجته..وكنّا يترقبن وصول الدكتور (بن رايس) وبمجرّد ما دخل اِنْهَلْنَ عليه بالصفع وبالمخالب…

معركة الوطن

فالمعركة الحاسمة حرّكتْ مشاعر كلّ الوطنيّة الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الوطن وأعطوا من مالهم ومن دمائهم الكثير لتستقلّ تونس من نير الاستعمار وتسير مع شعوب العالم في طريق البناء والتشييّد..
ثمّ إنّ بورقيبة لم ينسى المرأة التي ناضلت في سبيل تحرير الوطن جنبا إلى جنب مع الرجل فكان أوّل ما قرّره بعد الاستقلال هو اصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة، ويكفي أن أعرّفها بما قاله فيها رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد في مجلس نوّاب الشعب : ‘وأعتقد أنّ الدستور الاجتماعي الحقيقي الذي غيّر وجه تونس ولا يزال يغيّره إلى حدّ اليوم هو مجلّة الأحوال الشخصيّة التي وضعتْ في تلك الفترة من تاريخ تونس وكان لها دور كبير في تغيّر العقليات..’
ومثلما يقول المثل العربي جزى الله الشدائد كلّ خير فإنّ الشدائد والمحن التي عرفتها بلادنا مع الاستعمار كانت وراء بداية تحرير المرأة، وكان ذلك بالتخلّص من ‘السفساري’ ثمّ بمواجهة آلة الاضطهاد الاستعماريّة فكانت عونا للرجل بل كانت في كثير من المناسبات في المقدّمة عندما يتعلّق الأمر بعمل تكون فيه المرأة أجدى من الرجل، وهكذا تقاسم الشعب بنسائه ورجاله المهام الصعبة لتتحرّر تونس من نير المستعمر الغاشم…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى