هنا تطاوين: مدفع رمضان..نغمة أصيلة في سماء المدينة

مع حلول الشهر الفضيل، تعود عادة مدفع الإفطار لتضفي لمسة من الفرح العتيق على ليالي رمضان في ولاية تطاوين، حيث يترقب الأطفال والكبار على حد سواء دويّه الإيذاني المعلن لحلول موعد المغرب، ليضيف نكهة خاصة إلى الأجواء الروحانية التي تعم المساجد والمنازل.
وفي أقصى الجنوب التونسي، حيث تترامى ولاية تطاوين بصحاريها الممتدة وجبالها الصامدة، يحمل شهر رمضان طقوسا خاصة تمتزج فيها العادات الأصيلة مع الدفء الروحاني.ولعل من أبرز هذه الطقوس التي لا تزال صامدة في وجدان أهالي الجهة، عادة “مدفع رمضان”،ذلك التقليد العريق الذي ما يفتأ يضفي بهجة لا توصف على ساعة الإفطار، ويزيد الطقس الروحاني انتعاشا واستبشارا،خصوصا في نفوس الأطفال الصغار.
هدوء وترقب
مع دقائق قليلة قبل أذان المغرب، يسود الشوارع والأحياء السكنية بتطاوين حالة من الهدوء والترقب اللطيف.الكبار منهمكون في تهيئة موائد الإفطار، بينما يصعد الأطفال إلى أسطح المنازل أو يتجمهرون في الساحات العامة،آذانهم مصغية، وأعينهم متجهة صوب المكان الذي اعتادوا أن ينطلق منه دوي المدفع.وعندما يصدح الصوت فجأة معلنا حلول موعد الإفطار،تختلط فرحة الأطفال بالدوي المدوي،فتملأ الضحكات الأرجاء، وتنطلق الألسنة بالدعاء،ويتسابق الصغار لتبادل التهاني قبل أن يشرعوا في تناول أول تمرة من تمرات الإفطار.
بعد روحاني خاص
هذه اللحظة الفاصلة بين لهفة الانتظار وفرحة الإفطار تكتسب في تطاوين بعدا روحانيا خاصا، فصوت المدفع لا يعلن فقط عن انتهاء ساعات الصيام،بل هو أيضا بمثابة إيقاع تراثي يعزف لحن الوحدة والانتماء،ويذكر الجميع بقيمة الوقت المبارك الذي يجمع العائلة على مائدة واحدة.
يظل الأطفال في تطاوين الفئة الأكثر تعلقا بهذه العادة الرمضانية.فبالنسبة لهم لا يقتصر الأمر على مجرد صوت،بل هو حدث ينتظرونه بشغف طوال النهار.كثيرا ما يحرص الآباء والأجداد على اصطحاب أطفالهم لمشاهدة مكان المدفع،أو يروون لهم قصصا عن رمضان قديما وكيف كانوا ينتظرون هذا الصوت إيذانا بالإفطار بعد يوم طويل من الصيام أو اللعب.إنها لحظة تنتقل فيها المشاعر بين الأجيال،وتترسخ في الذاكرة كواحدة من أبهى صور الطفولة في الشهر الفضيل.
إقبال على المساجد
ولا يقتصر الطقس الروحاني في تطاوين على المدفع فقط، بل يمتد ليشمل المساجد والجوامع التي تشهد خلال رمضان إقبالا واسعا من المصلين لأداء صلوات التراويح والقيام. وتتضافر جهود وزارة الشؤون الدينية لتهيئة هذه المساجد واستكمال سد الشغورات فيها بنسبة كبيرة، لضمان أحسن استقبال للمصلين طيلة أيام الشهر .
في هذا السياق،يضفي صوت مدفع الإفطار بعدا شعبيا مميزا على الأجواء التعبدية، إذ يذكر الجميع بفضل نعمة الصيام والإفطار،ويزيد الشعور الجماعي بالروحانيات التي تعم الولاية،خاصة مع تنظيم أكثر من 824 نشاطا دينيا خلال الشهر،من دروس ومحاضرات ومسامرات،بالإضافة إلى مسابقات تحفيظ القرآن للأطفال كـ “المقرئ الصغير” و”المؤذن الصغير” .
ومع قرب انتهاء النهار، تتحول ولاية تطاوين إلى لوحة فريدة من الاستعداد والاستبشار.رائحة الأكلات الشعبية تملأ الأزقة،والأسر تتجمهر حول شاشات التلفاز أو أجهزة الراديو لمتابعة موعد الإفطار بدقة،غير أن صوته المدوي يبقى الأكثر تأثيرا في النفوس .إنها ساعة يتساوى فيها الجميع،غني وفقير،كبير وصغير،تحت لواء الانتظار والدعاء،ليأتي دوي المدفع كإشارة كونية تطلق العنان للنفوس لتشكر الخالق على نعمة الإفطار،وللأجساد أن تستريح بعد يوم من الصيام..
مدفع رمضان يعود
وبعد انقطاع دام لسنوات طويلة،عاد مدفع رمضان هذا العام ليحط من جديد في سماء تطاوين، حاملا معه عبق الماضي وروحانيات الشهر الفضيل.لقد كان غيابه مؤلما على القلوب التي اعتادت دويّه،لكن عودته كانت بمثابة نبض جديد يبعث الحياة في التقاليد الأصيلة،ويمسح عن النفوس التي أنهكها الصوم والانتظار،ليملأها بالبهجة والسرور.فاستقبله الكبار بحنين وشوق، والأطفال بدهشة وفرح،وكأنه لم يغب يوما..
وفي زمن التكنولوجيا والتطبيقات الذكية التي تذكر بمواعيد الصلاة بالثانية،يبقى لمدفع رمضان في تطاوين سحره الخاص الذي لا يعوض.إنه تقليد أصيل يحمل في طياته الكثير من المعاني الإنسانية والدينية،ويظل أحد أبرز عناصر الفرحة والانتظار والاستبشار في قلوب الكبار قبل الصغار. دوي المدفع الذي يهز جدران البيوت والقلوب معا، ليس مجرد إشارة للإفطار،بل هو أيقونة تراثية تجسد عمق التعلق بالعادات الرمضانية الأصيلة في جنوب تونس، وتؤكد أن البهجة الحقيقية في رمضان تصنعها تلك التفاصيل البسيطة التي تنتقل عبر الأجيال…
نغمة أصيلة تزين الأجواء الروحانية وتصنع البهجة في قلوب الأطفال..
متابعة: أبو غسان




