هنا تطاوين/ العزوف عن اللحوم الحمراء: أزمة قدرة شرائية..وصراع مع الغلاء!

في أسواق ولاية تطاوين، يتردد صدى أزمة يعيشها المواطن البسيط يوميا.أزمة تمس القدرة الشرائية وتجبر الأسر على إعادة حساب أولوياتها الغذائية. لم تعد اللحوم الحمراء،التي كانت يوما جزءا من مكونات الوجبة العادية، ضمن قائمة المشتريات إلا نادرا،وحلت محلها اللحوم البيضاء كبديل أقل تكلفة،وربما أقل قيمة غذائية.
تشير المشاهدات في الأسواق المحلية إلى أن أسعار اللحوم الحمراء تشهد تقلبات حادة،وفي بعض الفترات ترتفع إلى مستويات تعجز عنها جيوب ذوي الدخل المحدود.فعلى الرغم من تسجيل انخفاض مفاجئ في الأسعار في معتمدية غمراسن بولاية تطاوين خلال شهر ماي 2025، حيث تراجع سعر كيلوغرام لحم الماعز من 50 ديناراً إلى ما بين 36 و38 دينارا، وكذلك انخفض سعر لحم الجمل الصغير من 32 دينارا إلى ما بين 24 و25 دينارا،إلا أن هذه التراجعات كانت مؤقتة ومحلية ولم تعمم على كامل جهة تطاوين.
حساسية السوق
ويظهر من خلال هذه التقلبات مدى حساسية السوق لعوامل مختلفة،ويعكس صعوبة اعتماد الأسرة على استقرار في تكاليف الغذاء.
في مواجهة هذا الارتفاع،يلجأ المواطنون،خاصة ضعاف الحال،إلى البدائل.وأبرز هذه البدائل هو الاتجاه إلى شراء اللحوم البيضاء،التي تعتبر أقل سعرا نسبيا.لكن هذا التحول ليس اختيارا بقدر ما هو إجراء ضروري يفرضه انخفاض القدرة الشرائية.وتشير تعليقات المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي إلى شكواهم من ارتفاع أسعار اللحوم،حيث يقول أحدهم: “الجزارة تبيع في سعر كيلوا لحم انثى ب 60 دينار”.هذا السعر،وإن بدا في حدود المتناول لبعض الفئات،إلا أنه يشكل عبئا كبيرا على الأسر محدودة الدخل التي تعاني من تراكم الأعباء المعيشية.
احتواء الأزمة
في ظل هذه المعاناة،ينتظر المواطنون،وخاصة ضعاف الحال،من الحكومة أن تنظر إليهم بعين الرحمة،وتتدخل بسياسات فعالة لاحتواء الأزمة. وتتأتى هذه السياسات في عدة مستويات كتعزيز الرقابة على الأسواق من خلال فرض رقابة صارمة على الأسعار،ومنع الممارسات الاحتكارية، ومحاسبة من يستغل حاجة المواطنين لرفع الأسعار دون مبرر،دعم الفئات الهشة مباشرة عبر تقديم دعم مالي أو عيني للأسر محدودة الدخل، أو توفير اللحوم الحمراء بأسعار مخفضة من خلال برامج الدعم الموجه،تشجيع الإنتاج المحلي كدعم المربين والمنتجين المحليين لزيادة العرض،مما قد يساهم في ضبط الأسعار على المدى المتوسط والطويل،والشفافية في سياسات الاستيراد،فإذا لجأت الحكومة إلى الاستيراد لسد النقص،يجب أن تكون هذه السياسة شفافة وأن تترجم فعليا إلى تخفيض الأسعار للمستهلك النهائي وليس إثراء الوسطاء.
قضية حارقة
ختاما،لا يمكن النظر إلى أزمة القدرة الشرائية في تطاوين،وتحديدا ما يتعلق بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء،على أنها مجرد مؤشر اقتصادي عابر. فهذه الأزمة،في جوهرها،اختراقٌ خطير لحق أساسي من حقوق الإنسان،وهو الحق في غذاء كاف ومغذ.
وعليه،فإن معالجة هذه القضية الحارقة ليست من باب الترف الفكري أو البرامج الانتخابية الظرفية، بل هي قضية عدالة اجتماعية ومستقبل وطني. وعلى الحكومة أن تدرك،بكل وضوح،أن استقرار المجتمع وتماسكه الحقيقي لا يُبنى إلا على أسس متينة من العدالة والإنصاف.وهذا يبدأ حتما من ضمان العيش الكريم لكل أفراد الشعب،حيث تكون القدرة على تأمين الغذاء الجيد حجر الزاوية في هذا البناء.فالرحمة-كما أشرت-والرعاية في هذا المقام ليست منّة أو هبة،بل هي واجب دستوري وأخلاقي،ومسؤولية تاريخية تقع على عاتق الدولة تجاه مواطنيها،وخاصة الأكثر احتياجا في المناطق المهمشة.
إن تضييق هوة اللامساواة وبناء جسور الثقة يتطلب سياسات جريئة وحقيقية،تضع الإنسان في صلب الأولويات،لأن المواطن القوي المُعافى هو الدعامة الحقيقية لأي تنمية وأي أمن شامل.
وأرجو..أن تستساغ رسالتي جيدا..
متابعة محمد المحسن




