هادي دانيال يكتب: مَصائرُ الشعوب والدُّوَل الإفريقيّة وضرورةُ التحرُّرِ مِن قبْضةِ ‘أفريكوم’ الإمبرياليّة!


كتب: هادي دانيال
أحياناً لا بُدّ مِن التذكير بالبديهيّ، ومِن هذا البديهي أنّ الإمبرياليّة التي يُعرّفها “فلا ديمير إيليتش لينين” قائدُ الثورة البلشفيّة في روسيا (وُلِدَ 1870م سنة وتُوفِّيَ سنة 1924م) بأنّها “أعلى مراحل الرأسماليّة” إذْ تؤدّي سيطرةُ الاحتكارات ورأس المال المالي إلى تقاسُم مناطق النفوذ والثروات بين الدُّوَل التي وصلتْ إلى هذه المرحلة الرأسماليّة الأعلى.
الحرب الباردة
مع بروز الاتحاد السوفياتي والصين ودُوَل أخرى عَبْرَ العالَم تقودُها أحزابٌ شيوعيّة في إطار ما سُمِّيَ “المُعَسكَر الاشتراكي” تكاتفتْ تلك الإمبرياليّات الرأسماليّة لِمُواجهتِه في إطار ما سُمِّيَ “المُعَسْكَر الغربي”. وفي سِياقِ هذه المُواجَهة عرفَ العالمُ “الحربَ الباردة”، وبينما كانت حكوماتُ الدُّوَلِ والشعوبِ المُسمّاة بالعالَم الثالث مُوَزَّعة بين خاضِعةٍ وتابِعةٍ للمُعسكَر الغربي وبين المُكافِحة للتحرُّرِ مِن الاستعمارِ الغربي بأشكالِهِ أو المُستقلّة حديثاً وتخوضُ تجربةَ تطوُّرٍ لا رأسمالي بِشِعاراتٍ اشتراكيّة، ومُعظَمها، التي تسعى إلى الاستقلال أو التي استقلَّت، كانَ أقربَ إلى المُعسكَر الاشتراكي.
ولكنْ بَعْدَ انهيارِ الاتحاد السوفياتي اشتدَّ التنافُسُ بين الدُّوَل الإمبرياليّة ليس فقط لتقاسم مناطق النفوذ والثروات بل لاستحواذ الأقوى على تلك المناطِق. بدأتْ حربٌ باردةٌ جديدةٌ تبرُزُ بين واشنطن وباريس في الفضاء الإفريقي الفرنكفوني، وفي هذا السِّياق أنشأت الولايات المتحدة الأمريكيّة القيادة الأمريكيّة لإفريقيا “أفريكوم”، بَعْدَ أن شَوَّشَتْ إلى حدٍّ كبير على النفوذ الفرنسي في الدُّوَلِ المحسوبة على المجال الفرنكفوني، وسَعَتْ سَعياً مَحموماً إلى نقْلِ مِقرّ قيادة “أفريكوم” مِن مدينة شتوتغارت الألمانيّة إلى بَلَدٍ إفريقي، وخاصة في شمال القارة السمراء.
تغيير التكتيك
وعندما فشلت واشنطن في إقناع العواصم الإفريقية باستضافة قيادة “أفريكوم” غيَّرتْ تكتيكها مع باريس لتنسّقا معاً من أجل إطاحة حكّام إفريقيا الذين رفضوا تواجُداً عسكرياً أجنبيّاً على التراب الإفريقي فكانت البداية مِن ساحل العاج حيث كان دَوْرُ قوّات “أفريكوم ” الأمريكيّة حاسماً في إخراج “غباغبو” من مخبئه بعد أن حاصرتْه القوّاتُ الفرنسيّة طويلاً، وهذا التعاوُن الفرنسي – الأمريكي باتَ أكثر وُضُوحاً في وحشيّته ضدَّ نظامِ العقيد معمّر القذافي.
نُلاحِظُ هُنا أنَّ انبِطاحَ السياسةِ الفرنسيّةِ أمامَ السياسةِ الأمريكيّة خدمةً للمصالحِ الأمريكيّة على حساب المصالح الفرنسيّة نَفْسِها لم نَعرِفْه فقط مع الرئيس نيكولا ساركوزي في ليبيا، بل سبقه إلى التضحية برصيد فرنسا الأخلاقي والقِيَمِي وبِمصالِحِها الاقتصادية الرئيسُ “فرانسوا ميتران” عندما شارك “البُوشَيْن” الأمريكيّين في حربِهِما على العراق وما شهدْته تلك الحربُ مِن جرائم ضدَّ الإنسانيّة على غرار قصْفِ النساء والأطفال في “ملجأ العامريّة”(الذي كان الفرنسيّون قد بَنَوهُ في بغداد كملجأٍ مُضادٍّ للأسلحة النوويّة؟!) وصارَ المُتظاهِرون ضدّ الحرب في شوارع عواصم ومُدُنِ البُلدان الفرنكفونيّة في شمال إفريقيا يرفعون إلى جانب الشِّعارات والهُتافات المُنَدِّدَة بالرئيسَين الأمريكيّين جورج بوش الأب وجورج بوش الابن شعاراتٍ وهتافاتٍ مُنَدِّدة بالرئيس الفرنسي، منها هتاف “ميتران أساسان” الذي كانت تصدح به حناجِرُ المُتظاهِرات والمُتظاهِرِين في شوارع تونس، مَثَلاً لا حَصْراً.
والمُفارقة الأخرى أنّ فرنسا كانت تشارك في حرب قال “جورج بوش الابن” إنّه شنّها “مِن أجْلِ الحفاظِ على نَمَطِ عَيْشِ المُواطِن الأمريكي”!.
فرض المصالح بقوة العسكر
إذَنْ الإمبرياليّة الأمريكيّة هي بِطبْعِها ذات سياسة توسُّعِيّة أمْنِيّاً واقتصاديّاً ، وبالقوّة العسكريّة تفرضُ واشنطن مَصالِحَها، أي بِسياسةِ الهَيْمَنَةِ هذه تَضَعُ يَدَها الإمبرياليّة على ثروات الدُّوَلِ أو الشعوبِ الطبيعيّة والبشريّة، تحتَ الأرضِ وَفَوْقَها مِن نِفْطٍ وغازٍ ومَعادن ثمينةٍ أو نادرةٍ ولا تُوَفِّرُ هذه اليَدُ الجشِعةُ أموالَ تلك الدُّوَل والشعوب لِتُجوّعها حتى الاستسلام التامّ أو المَوت الزُّؤام. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي شهدَت البشريّةُ نَشْرَ ثقافةِ العَوْلَمَةِ التي لها مَضمُونٌ واحِدٌ هو أمْرَكَةُ العالَم، و ما عُرِفَ بالسياسةِ الدوليّة ذات القطْب الواحد، القطْب الأمريكي الذي فحواه أنّ العالَمَ باتَ غابةً لا قانون فيها يَعلو على قانونِ الغابِ الذي يُبيحُ غَزْوَ الدُّوَل المُباشَر، وفَرْضَ السيطرة الاقتصاديّة، و التحكُّمَ بتوجيه القراراتِ السياسيّةِ للبلدانِ المُسْتَهْدَفَة.
‘حَقّ القوّة’ في إفريقيا
“أفريكوم” إذَنْ، قبْضةُ “البنتاغون” لِفَرْض “حَقّ القوّة” في إفريقيا بمواجهة قوّة حقِّ الدُّوَلِ والشعوبِ الإفريقيّة في سِيادتِها على تُرابِها الوطني وثَرواتِها الطبيعيّة والبشريّة. هذه القبْضة أطلقَها الرئيسُ الأمريكيُّ الأسبق “جورج بوش الابن” في أوّل اكتوبر 2007، وبدأتْ نشاطَها في أوّل اكتوبر 2008، لتكون مَسؤولة عن العمليّات والعلاقات العسكريّة في 53 دولةً إفريقيّةً باستثناء مِصْرَ التي بقيَتْ تابعةً للقيادة الأمريكية في “ميامي”.
وفي مُواجهة التمدُّدِ الصيني للاستثمار الإيجابي الندِّي الذي يحفظُ حقوقَ الشعوب و البُلْدان الإفريقيّة تتعاون واشنطن وباريس عسكريّاً لِفَرْضِ أمْرٍ واقِعٍ يقوم على الفوضى والعنف في هذه الدَّولة الإفريقيّة وتلك.
سيطرة على المعادن النادرة
حاولَتْ واشنطن خداعَ الدُّوَلِ الإفريقيّة باستدراجِها إلى تحالُفاتٍ تَفتَحُ أسواقَ الدُّوَلِ الإفريقيّة أمامَ السّلَعِ والخَدَمات الأمريكيّة وتُؤمِّن للشركاتِ الأمريكيّة احتكارَ السيطرة على مَوارد مثل الكوبالت والنحاس والعناصِر الأرضيّة النادرة ، كما حَصَلَ في الكونغو سنة 2023 عندما سيطرت الشركاتُ الأمريكيّة على 30 بالمائة من الكوبالت الكونغولي، هذا المعدن الحيوي للسيّارات الكهربائيّة مُقابل وَعْد أمريكي بِمُواجَهةِ المُتمرِّدِين المَدعومِين مِن رَوَانْدا، لكنّ واشنطن لم تُقدِّمْ المُساعَدَةَ الأمْنِيّةَ التي وَعَدَتْ بها، مِمّا مَكَّنَ المُتَمَرِّدِينَ مِن قَتْلِ 2000 مدني كونغولي بينما كان الجانبُ الأمريكي مُنشَغِلاً بِتركيزٍ شديدٍ على كيفيّةِ نَهْبِ المَوارِدِ الكونغولية على حساب التنمية المحلية لهذا البَلَدِ، في سِياقِ السِّباقِ العالَمي على المعادن الحيويّة التي تُعَدُّ إفريقيا في قلْبِ هذا السِّباق، حسب تصريح مسؤول بوزارة الخارجيّة الأمريكيّة في مطلع السنة الحالية 2026. وهذا الخداع الأمريكي تكرَّرَ في نيجيريا والنيجر ودُوَل إفريقيّة أخرى.
على النقيضِ مِن ذلك فإنّنا نُلاحِظُ مَثَلاً أنَّ استثمارَ الصين في قطاعِ الطاقةِ الكهرومائية بالكونغو وفّر الكهرباءَ لمليونَي شخص كونغولي.
إنّ الاستراتيجيّة الأمريكيّة تجاه أفريقيا هِيَ إيجادُ الذرائع للتدخُّلِ العسكري في شؤونها الداخليّة تحت عناوين مثل “مُكافحةِ الإرهاب” الذي بات مَعروفاً أنّ واشنطن تنشرُه عَبْرَ العالَم كي تتذرّعَ بِهِ عندما تُقرِّر التدخُّلَ في شُؤونِ الدُّوَلِ الداخليّة التي قرَّرت السيطرةَ على مصائرها السياسيّة والاقتصاديّة خاصّة. إنّها استراتيجيّة تسعى أوّلاً وأخيراً إلى “ضمانِ بقاءِ أمريكا الأقوى والأغْنى والأكثَر نُفوذاً ونجاحاً” بينما إفريقيا في هذه الاستراتيجيّة الأمريكيّة “مصدر للمعادن الحيويّة وساحة للمصالح العسكرية – التجارية الأمريكية” لا غَيْر.
الترتيبات الأمنية أولا
والاستراتيجيّة الأمريكيّة تُرَكِّزُ دائماً على الترتيباتِ الأمْنيّةِ والتدَخُّلاتِ العسكريّةِ وتخدمُ فقط المَصالِحَ الأمريكيّةَ على حِسابِ المصالح الإفريقيّة، على النقيضِ تماماً مِن مُبادَراتٍ تخدمُ أجنْدَةَ الاتحادِ الإفريقي لِسَنَةِ 2063، هذه الأجنْدَة التي تُؤكِّد على “ملْكيّة إفريقيا لأمْنِها وتنمِيَتِها”. ومِن هذه المُبادَرات مثلاً مُبادرة مَجلِس السلْم والأمْن التابِع للاتحاد الإفريقي، ومُبادَرَة الحزام والطريق الصِّينيّة (BRI ) ومبادرة التنميَة العالميَّة (GDI) التي تركّز على “البنْيَة التحتيّة والتنميَة الاقتصاديّة والتعاوُن غيْر العسكري، أي مُعالَجة جُذور عَدَم الاستقرار بَدَلاً مِن استغلالِها”.
فكما تقول “مبالي نكوماني” الباحثة في العلاقات الدوليّة بجامعة جنوب إفريقيا ” السببُ الجوهريُّ الواضِحُ لِفَشَلِ الولايات المتحدة في إفريقيا هُوَ: أنّ استراتيجيّتها تنتهِكُ استقلاليّة إفريقيا، وتُعطي الأولويّة للقوّة العسكريّة على حسابِ التنميَة، وتتعامَلُ مع القارّة كأداةٍ في صِراعاتِ القُوى العالميّة بَدَلاً مِن التعامُل معها كشريك”.
لقد نشرتْ “أفريكوم” قواعِدَها في جيبوتي وكينيا ومناطق أخرى، لكنّها بدأتْ تخسَر هذه القواعِد تدريجيّاً بعد تأكُّدِ الدُّوَلِ والشعوبِ الإفريقيّة، كما حَصَلَ في النيجر مُؤخَّراً، مِن أنّ أهدافَ “أفريكوم” وقواعِدِها ليست المكافحة المَزعُومة للإرهاب، بل الأهداف التي باتت مُعلَنةً هي: مَنْعُ الاضطرابات في إنتاج وتصدير النِّفْط الإفريقي، مُواجَهة التوسُّع الصِّيني في إفريقيا، والسيطرة على المناطِق غيْر الخاضعة للحكومة”. هذا التغييرُ في الأهداف أدّى إلى إلغاء الاتفاق العسكري مع واشنطن.
واشنطن تخسر مواقعها
لهذه الأسباب مِن الطبيعي أن تَخْسَرَ الولاياتُ المتحدة الأمريكية مواقِعَها في إفريقيا لصالح الصين وروسيا، فالقارّة السمراءُ التي أرادتْها واشنطن مُختَبَراً لتأكيدِ سياسة القطْب الأمريكي الواحِدِ المُهَيْمِنِ على العالَم بِثوراتِ الفوضى الخلّاقةِ بدْءاً مِن شمالِ إفريقيا سنة 2011، بدأتْ تتحوَّلُ رُبّما إلى مُختَبَرٍ لِتَظهِيرِ سياسةٍ دوليّةٍ مُتَعَدِّدَةِ الأقطاب.
وعلى الرُّغْمِ مِن إخفاقِ سِياساتِها لا تزال واشنطن تتعامَلُ مع الدُّوَلِ الإفريقيّةِ مِن عَلٍ وبِفَوْقِيّةِ المُسَيْطِرِ المُتَغَطْرِسِ، فتُخاطِبُها مَثَلاً هكذا: اقْطَعِي علاقاتِكِ الاقتصاديّةً مع بكين واقْطَعِي علاقاتِكِ العسكريّةِ مع موسكو. وفي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَتَّهِمُ الدُّوَلَ الأخرى خَارِجَ المُعسكَر الغربي، بأنّها تتدخّل في الشؤون الإفريقيّة.
وواقِعُ الحال أنّ الكُرَةَ الآنَ في مَرْمَى الشعوب والدُّوَلِ الإفريقيّةِ التي عانت الكثيرَ مِن السياساتِ الأمريكيّة، فَمِن المُفتَرَض أنْ لا تُفَوِّت فُرْصَةً للتعبير عن استقلاليّتِها وسِيادتِها وتَحَرُّرِها مِن الهَيْمَنَةِ الإمبرياليّة الأمريكيّة بأشكالِها القديمةِ والجديدةِ، المُتوَحِّشةِ دائماً، وأنْ تُشاركَ مثلاً على أعلى مُستوىً في القِمَّةِ الثالثة “روسيا- إفريقيا” بحيث لا يكونُ تمثيلُ أيّ دولة إفريقية أقَلَّ مِن وزيرٍ فما فَوْق، خاصّة وأنّ هذه القِمّة الإفريقيّة – الروسيّة التي سَتنعقِدُ في موسكو يَومَي 28 و29 أكتوبر 2026، تهدفُ إلى تعزيز التعاوُن الاقتِصادي والاستِثماري وستُركِّزُ ” على التقنيات الرقميّة والذكاء الاصطناعي والاستِخدام السلْمي للطاقةِ النوويّة”.
انعتاق افريقيا من قبضة ‘أفريكوم’
إنّ القارّةَ التي تَئنُّ مِن السياساتِ الأمريكيّة تُجاهَها مُنْذ رست أوَّل سفينة في نهر جيمس تحمِل 20 إفريقيّاً إلى مُستعمرة “جيمس تاون” التي تقع على ضفّة النهر المذكور في فرجينيا سنة 1619، ولاحِقاً تأسيس نِظام استِعباد الأفارقة مَدَى الحَياة بين سَنَتَي 1640 و1660 وُصُولاً إلى بَيْعِ مَلايين الإفريقيّات والإفريقيّين في أسواقِ النّخاسة الأمريكيّة إلى ما بَعْد القرْن الثامِن عَشَر، هذه القارة نفْسها آنَ لها أنْ تتحرَّرَ مِن الاستِعبادِ الاقتصادي والسياسي والعسكري الأمريكي لها، وأنْ تُشرِقَ مِن جِبالها وسُهولِها وغاباتِها وصَحارِيها وشواطئ أنهارِها وبِحارِها شَمْسُ انعِتاقِ العالَمِ مِن قبضة سِياسةِ القطْب الواحِد الأوْحَد، فمُستقبل القارّة السمراء يجبُ أن يكونَ بِقبضتِها، لا بِقبضةِ “أفريكوم”، وذلك يتحقّق مِن خِلالِ الوحْدةِ القارّيّة والشراكات الدوليّة والإقليميّة التي تَحترِمُ السِّيادةَ الوطنيّة لِلدُوَلِ الإفريقيّةِ كافّة وتُعطي الأولويّةَ لِحُقوق الشعوبِ الإفريقيّة ومَصالِحِها الشرعيّة والمَشروعة.




