هادي دانيال يكتب: ماذا يُرجى عَرَبيّاً وإفريقيّاً مِن ‘التعاون’ السامّ مع نظام ‘كييف’ الصهـ.يوني؟


كتب: هادي دانيال
إذا كان المواطنون الألمان الذين يئنّون الآن تحت وطأة غلاء المعيشة وارتفاع الضرائب، قد فقدوا 70 بالمائة مِن الرفاهية التي كانوا يتمتعون بها قبْلَ أنْ تزجّ حكومتهم بِدَولَتِهِم في الحرب الأطلسيّة ضدّ روسيا مِن الأراضي الأوكرانيّة…
وتدعم نظام “كييف” ماليّاً وعسكريّاً ناهيكَ عن عبْءِ المليون لاجئ أوكراني الذي يقع على كاهلِهِم، لِدَرَجة أنّ اليمين المُتَطَرِّف استثمر هذا المُعطى في الانتخابات البرلمانيّة التي يتصدّرها في مُعظَم المُقاطَعات الألمانيّة تحت شِعار “ألمانيا أوّلاً”.
وإذا كان المواطنون البولنديّون الذين كان 94 بالمائة منهم سنة 2022 يؤيِّدون دعم حكومتهم لنظام “كييف” بمبالغ ماليّة جاوزت الثلاثين مليار دولار أمريكي حتى الآن، فإنّ نسبة البولنديِّين الذين يُعارضون استمرار قبُول اللاجئين مِن أوكرانيا بلغت الآن 52 بالمائة، بعد أن كان قد وصل عدد اللاجئين الأوكرانيّين إلى بولندا 1,5 مليون لاجئ في الأشهر الأولى من الحرب…
توترات كبرى
وحسب صحيفة “برلينر تسايتونغ” الألمانيّة تعيش العلاقات بين “كييف و “وارسو” حاليّاً أسوأ حالاتها منذ زمن طويل. ولقد تمّ الإبلاغ في النصف الأوّل من العام الحالي 2026 عن 180 جريمة كراهية إنْ كان عبْر الأنترنت أو بمُضايقة اللاجئين الأوكرانيّين وضرْبهم في الشوارع البولنديّة واستفزازهم بتشغيل الموسيقى الروسيّة على مَسْمَعٍ مِن تجمُّعاتِهِم.
ويتّهم المواطنون البولنديّون اللاجئين الأوكرانيّين بالجحود، واستغلال المساعدات ومُصادَرة الشقق وإثقال كاهل القطاعَين الصحّي والتعليمي البولنديَّيْن. وهذه المُعطيات سيكون لها تأثيرها على نتائج الانتخابات البرلمانيّة البولنديّة في خريف 2027، لصالح الأحزاب اليمينيّة المُتطرّفة صاحبة شعار “بولندا أوّلاً”.
حرب بلا جدوى!
وإذا كان نوّابٌ في البرلمان الأوكراني الحالي طالبوا ” فولودومير زيلينسكي” بالبَدء على الفور في مفاوضات مع موسكو لإنهاء الحرب كما هو حال فريق “فاديم نوفينسكي” المكوّن من سبعة نوّاب، وبعضهم مثل “ألكسندر دوبينسكي” طالب بعقد جلسة للبرلمان لِعَزْل الرئيس المُنتهية ولايته “فلودومير زيلينسكي” وإنهاء الحرب، بل إنّ النائب “إيليا كيفا” دعا إلى استقالة “زيلينسكي” وحلّ البرلمان لإنهاء “حرب بلا جدوى”، على حدِّ تعبيرِه، بينما كان النائب “أرتيم دميتروك” قد طالب صراحة باعتقال “زيلينسكي” كخطوة وصفها بـ”الطريقة الوحيدة” لإنهاء النزاع. وكان “أليكسي غونتشارينكو” آخرَ برلماني أوكراني يطالب الرئاسة الأوكرانيّة بضرورة الذهاب إلى تسوية مع روسيا، حيث صرّح قبْلَ أيّام، أي يوم الجمعة 02 أكتوبر2026، بأنّه: ‘في الوقت الحالي، الحقيقة هي أنّنا نخسر الحرب، ونخسر أعداداً هائلة من البشر’ وأنّ الواقع الميداني والاقتصادي ‘بات كارثيّا’.
لماذا الشراكة مع نظام كييف؟
إذا كان “حلفاء” نظام “كييف” مِن الحكّامِ الألمان والبولنديّين يخسرون ثقة شعوبهم أو “ناخِبِيهم”، وإذا كان مُمَثِّلوّ الشعب الأوكراني في البرلمان الحالي يُعلنون رفضَ سياسة “زيلينسكي”، فما الذي يدفع دولاً عربيّة وإفريقيّة، إلى إقامة شراكات وعقد اتفاقات ‘دفاعيّة وأمنيّة’ مع كيان صهـ.يونيّ ثانٍ في أوكرانيا يعجز عن الدفاع عن نَفْسِه وعن تأمين الأمْن لِمُواطنيه على الرغم مِن دَعْمِ مُعظَم دُوَل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكيّة له ماليّا وعسكريّاً ولوجستيّاً وسياسيّاً، في مُواجهة جيش الاتحاد الروسي.
كما أنّ هذه الدوَل العربيّة والإفريقيّة نَفْسها تقريباً كانت قد راهَنَت، ولا تزال؟، على مِظَلَّة أمنيّة يؤمّنُها لها الكيانُ الصهيـ.وني في فلسطين المحتلّة بعد فشَل المظلّة الأمنيّة الأمريكيّة، كما أوْضَحْنا في مقال سابق، على الرغم مِن أنّ المظلّتين الأمريكيّة والإسرائيليّة فشلتا في صدّ الصواريخ والمسيّرات الإيرانيّة واليمنيّة ومسيّرات وصواريخ “حزب الله” اللبناني عن مواقع الجيش الأمريكي في المنطقة ومواقع جيش الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلّة والجولان السوري المُحتلّ.
وهذا ‘التعاون’ الذي مدّته عشر سنوات، يدفع العَرَبُ بِمُوجَبِهِ، المالَ لنظام “كييف” مُقابل أن يحصلوا على مُسيّرات أوكرانيّة، وعلى “خُبرات” أوكرانيّة للتصدّي للمسيّرات الإيرانيّة. وواقع الحال أنّ هذه “الخبرات” فشلت في التصدّي للمسيّرات والصواريخ الروسيّة التي دمّرت مؤخَّرا البنى العسكريّة الأوكرانيّة في “كييف” ومِن بينها مصنع المسيّرات الأوكرانيّة ومنصّات إطلاقها الذي تحوّل قبْلَ أيّام إلى رُكام. أمّا الدوَل الإفريقيّة التي تُبرِم اتفاقات أمْن غذائي وتعاوُن في قطاعات كالأمْنِ السيبراني و رَقْمَنَةِ الخدمات الحكوميّة والتعليم، فإنّ هذه الدول الإفريقية تخدع نفْسها وَشُعُوبَها، لأنّ القمح والحبوب الأوكرانيّة التي يتراجع إنتاجُها بسبب الحرب، مِن الصعب أن تُغادر الأراضي الأوكرانيّة لا برّاً ولا بحراً ولا جوّاً، كما أنّ حالة الانهيار في المؤسسات الأوكرانيّة كافّة لا يسمح لها بتنفيذ اتفاقيّات دوليّة لا أمنيّة ولا غذائيّة ولا تقنيّة أو صحيّة أو تعليميّة، خاصّة وأنّ “كييف” باتت بمؤسسات الدولة والبنى التحتيّة المُدَمَّرة، حسب تصريح عمْدتها، غيْر قابلة للعيش، ناهيك عن أنّ “فولودومير زيلينسكي” انتهت ولايته الدستورية كرئيس لأوكرانيا منذ 20 ماي 2024 بعد مرور خمْس سنوات على انتخابه سنة 2019، فهو فاقد للشرعيّة والاتفاقيات التي يُبرِمُها لا يُعَوَّلُ عليها، أي لا تُلْزِم خَلَفَه الذي سَتتَمَخَّضُ عنه الانتخاباتُ القادمة.
إعلان عداء مجاني
هذا دون أن نغفلَ حقيقة أنّ هذا “التعاوُن العربي الإفريقي” السامّ مع نظام “كييف” الصهيـ.وني برئاسة “زيلينسكي”، الذي أعلن دعمَه لِنظيرِه “بنيامين نتنياهو” في الحرب الإباديّة على غزّة، هو ليس فقط إذعاناً لإملاءات غربيّة، كي تتحمّل الدوَل الخليجيّة، خاصّةً، جزءاً مِن عبْءِ تكلفة الحرب في أوكرانيا التي يسعى الحلفُ الأطلسي إلى إدامَتِها أطوَلَ مدّة مُمْكِنة لإضْعافِ الاتحاد الروسي وحلفائه بل هو كذلك بمثابةِ اصطِفافٍ وانحيازٍ وإعلانِ عداءٍ مجانيّ ليس فقط ضدَّ الاتحاد الروسي وشُعوبه الصديقة تاريخيّاً للعرب والأفارقة، بل أيضاً ضدَّ القوى الإقليميّة والدوليّة التي تسعى بإصرار إلى ترسيخ سياسة دوليّة مُتعدّدة الأقطاب تعتمد القانون الدولي لحلّ النزاعات، وتخلِّص البشريّة من وحشيّة قانون الغاب الصهيـ.و أمريكي، الذي يُشْعِل الحروب الأهليّة والبينيّة كي تَنتعِشَ مصانعُ الأسلحة، ويَنهب ثروات الشُّعُوب،
ويُبيد ما أمكنه مِن البشريّة بالأسلحة الأشدّ فَتْكاً وبالتجويع والتهجير وَنَشْر الأوبئة.




