هادي دانيال يكتب/ الاستعمار الأوربي الجديد لإفريقيا: هل مِن ردِّ فِعْلٍ مُنتَظَر؟


كتب: هادي دانيال
عندما سمعتُ مِن أساتذة جامعيّين في بلد إفريقي أنّ السفارة الفرنسيّة تُطالِب بتدريس موادّ بِعَيْنِها لطلبة الجامعة في هذا البلد الذي يُفترَض أنّه نالَ استقلاله منذ سبعين عاماً وبالكفّ عن تدريس موادّ أخرى…
استغربْتُ بَدْءاً، لكن عندما تذكّرتُ أنّ سبعين بالمائة مِن مُوازَنة الاتحاد الإفريقي تعتمد على تمويلات من خارج القارة، وتحديداً مِن الدوَل الأوربّيّة التي كانت تَستعمِر دُوَلَ “الاتحاد الإفريقي” كـ فرنسا وبريطانيا والبرتغال وبلجيكا وألمانيا وغيرها، تفطّنت إلى ما وراء الأكَمَة.
النهب الاقتصادي للمستعمرات
لِقائلٍ أن يقول هِيَ تعويضاتٌ عن استخراج الأوربيين عشرات تريليونات الدولارات من النهب الاقتصادي للمستعمرات الإفريقية الذي تَواصَلَ حتى النصف الثاني من القرن العشرين وعن استرقاق ملايين الأفارقة منذ احتلال البرتغال مدينة سبْتة المغربية سنة 1415، واقتلاعهم من أوطانهم إلى أسواق النخاسة في الغرب الأوربي – الأمريكي، لكنّ واقع الأمر أنّ الشعوب الأفريقية ليست معنية بهذه التعويضات، وأنّ الأموال الأوربية التي تُضَخّ في ميزانية الاتحاد الأفريقي الهدف منها تحويل أهداف هذا الاتحاد من تعزيز استقلال الدوَل الإفريقية والدفاع عن مصالح هذه الدول وشعوبها إلى رهن مصائر دُوَل الاتحاد بإرادة الدول الأوربية التي تموّله مثله مثل الجامعات التي تحدد سفارات فرنسا سياساتها ومناهجها التعليمية مادامت مُمَوَّلة من باريس.
أقنعة تنموية زائفة
فالاستعمار الأوروبي الجديد يعود إلى القارّة بأقنعةٍ تنموية زائفة، ويدعم هذه العودة بقواعد عسكرية أمريكية وأوروبية تسربل القارة السمراء من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها لإدامة استغلالٍ مُمنهَج لمواردها الطبيعية الاستراتيجية وفرْض اللغات الأوربيّة ونَشْر أنماط الاستهلاك الغربي بإغراق الأسواق الإفريقية بالمنتجات الأوربية و بعرقلة وإجهاض مشاريع التصنيع الوطني، والسيطرة على وسائل الإعلام والتكنولوجيا…
كي تبقى القارة في حالة تبعية هيكلية، فبالإضافة إلى حوالي عشرة قواعد عسكرية أمريكية من جيبوتي إلى السنغال مروراً بكينيا والنيجر والكاميرون وأوغندا وغيرها تُعدّ القواعد العسكرية الفرنسية الأكثر انتشاراً ونفوذاً في إفريقيا، وتتركز في جيبوتي، تشاد، الغابون، السنغال، وساحل العاج، بذريعةِ مُكافحة الإرهاب، والهدف الحقيقي حماية المصالح الفرنسية، ودَعْم الأنظمة الحليفة لباريس.
بينما يقتصر الوجود العسكري البرتغالي، البلجيكي والألماني والإيطالي والإسباني حالياً على برامج تدريب محدودة أو بعثات حفظ سلام ضمن إطار الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، بعد زوال وجودهما الاستعماري المباشر.
نشر الفوضى والبلبلة
صحيح أنّ هذا النفوذ يواجه تراجعاً نسبيّاً بسبب صعود قوى دولية كبرى كالصين وروسيا إلّا أنّ الغرب والكيان الصهيوني ما فتئ يسعى إلى عدم استقرار القارة أمنيا بنشر الخلافات البينية والحروب الأهلية والاغتيالات السياسية لدعم الحكومات الموالية له والتخلص من الحكومات الوطنية ولحماية مصالح الشركات الغربية تحت ستار مكافحة الإرهاب، الإرهاب الذي صنعه الغرب ونشره في آسيا وإفريقيا كي يكون ذريعة لتدخله العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي وفي شؤون دول القارتين وإدامة سيطرته على ثروات هذه الدول وعلى مصائر شعوبها.
اتفاقيات ‘تعاون’
وليس خافيا أنّ الغرب يحكم سيطرته شبه المُطلَقة على المؤسسات الأمنية والعسكرية في الدول الإفريقيّة عبْر تقييدها باتفاقيات “تعاوُن” لمكافحة الإرهاب، فهل ننتظر ظهور حركات تحرر وطنية جديدة في مواجهة الاستعمار الأوربي الجديد والإرهاب الذي تستثمره في إفريقيا، على أساس أنّ الفعل الاستعماري يستوجب ظهور ردّ فعل مقاوِم؟، أم أنّ “ما لِجُرْحٍ بميّتٍ إيلامُ”؟.




