صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: الأوليغارشية الأمريكية وفضائح “دونالد ترامْب” بتأجير قوّة الولايات المتّحدة العسكريّة والسياسيّة لِمَن يَدْفَع؟

adanille
كتب: هادي دانيال

بات واضحاً لكُلّ ذي عقلٍ على حدٍّ أدنى مِن التفكير الموضوعي أنّ السياسة الخارجيّة الأمريكية، سابقاً والآن، تجاه منطقتنا مِن إسلام آباد إلى مراكش تعتمد استراتيجيّة تُعيد إنتاجَ الرؤية الإمبرياليّة الكلاسيكيّة للسيطرة على هذه المنطقة.

وهي استراتيجيّة تقوم ليس فقط على “حفْظ أمْن إسرائيل” بل وعلى مساعدة الصهيونيّة المُتطرِّفة في إقامة “دولة إسرائيل الكبرى”، وفي الوقت نفْسه إعادة صياغة المنطقة جغراسياسيّاً وديمغرافيّاً بِما يخدم ذلك.

انتهاك وحشي

وبالتالي لا معنى للحديث الديماغوجي عن انشِغال واشنطن الكاذب بِدَمَقْرَطة أنظمة الحكْم أو تمكين الشعوب المَحكومة بِحقوقها الإنسانيّة والدستوريّة وما شابه من هذه الشعارات البرّاقة، فوثيقة استراتيجيّة هندسة الأمْن القومي الأمريكي التي صاغتْها إدارةُ “ترامْب”، لا تُخْفي عَزْمَ واشنطن على إعادة إنتاج نظام عربي مُرتهِن تماماً للإرادة الصهيـ.وأمريكيّة، وهو ما بدأت تُحققه عبْر “ربيعِها العربي”، وحروبِها المُتناسلة على دُوَل المنطقة ومَصالِح شُعوبِها، بِتنصِيب أنظِمَةٍ هَشَّة وخانعة تقوم على أنقاض إرادة الشعوب المُتمَثلة بِقُواها الحيّة المُستَهْدَفة أحزاباً وحركات مقاومة وطنيّة، مُنتَهِكة بوحشيّة سيادة هذه الشعوب وحقّها في الحريّة والكرامة. وفي الوقت نفْسِه فإنّ واشنطن ستتنصّل من التزاماتها المزعومة بحماية هذه الأنظمة الهشّة وستتركها لمصائرها البائسة عندما تَستنفِد منفعتَها المُباشرة منها.

‘السلام عبر القوة’!

وفي هذا السياق جرى تظهير شعار “دونالد ترامْب” الخطير “السلام مِن خلال القوّة” في قطاع غزّة الفلسطيني ويجري تظهيرُه الآن في إيران ولبنان ورُبّما لاحقاً في سوريا والعراق واليمن، وبعد ذلك قد ينتقِل تنفيذ هذا السيناريو إلى تركيا وكوبا وغيرهما. فاتفاق اكتوبر2025 برعاية “ترامْب” لترميم صورة الإدارة الأمريكية التي كانت شريكة في الحرب الإباديّة المُتواصِلة حتى هذه اللحظة على الشعب الفلسـ.طيني في غزّة منذ 2023، والذي بدا كأنه “وقف إطلاق نار من جانب واحد” هو الجانب الفلسطيـ.ني، كان مُجَرّد “تجميد للصراع” لِصالِحِ تل أبيب واستبدال حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه السياسيّة وفي مقدّمتها حقّ تقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينيّة وعاصمتها القدس الشرقيّة، أيْ “حلّ الدولَتَين”…
استبدال ذلك بمشروع “شروق الشمس” وترتيباته الاقتصاديّة والأمنيّة، والذي تقتصر إعادة الإعمار بِمُوجبه على المناطق التي تخضع للسيطرة العسكريّة الإسرائيليّة.
والسيناريو نفْسه حاولَ الأمريكيّون فَرْضه بجنوب الليطاني في لبنان أواخر سنة 2024، والذي كان أيضاً من جانب واحد، هو الجانب اللبناني. وعلى مدى عام وخمسة أشهر لم تنَفّذ “إسرائيل” أيَّ بنْد مِن الاتفاق، مُواصِلَةً اعتداءاتها على البشر والشجر والحجر، وفي الحالتين تذرّع الإسرائيليّون والأمريكان لاحقاً بأنّ تنفيذ الاتفاقَين مُرتبِطٌ بنزْع سلاح المقاومة في غزّة ولبنان. وهذا “السلام بالقوّة” أو “السلام القسري” الذي مِن نتائجه المُباشرة تفتيت الجغرافيا الفلسطينيّة وتحويل الضفّة الغربية إلى كانتونات مقسّمة تحت سيطرة حواجز قوات الاحتلال والمستوطنين هُو الذي تُحاول واشنطن وتل أبيب الآن فرْضَه على إيران أيضاً.

تضخيم متعمد

لم يَخْفَ على المُراقِبين أنّ ذرائعَ “دونالد ترامب” باتخاذِ قرار الحرب على إيران كانت واهية، فالمسؤولان المُستقيلان مِن الإدارة الأمريكيّة على خلفيّةِ شَنِّ الحرب على طهران، “جوزيف كنت” مدير المركز الوطني الأمريكي لمُكافحة الإرهاب، و”كاري بريغان” عضو لجنة الحريّة الدينيّة التابعة للبيت الأبيض، وكذلك كِبار صُنّاع الرأي العام مِن الإعلاميِّين الأمريكيِّين على غرار “ديف سميث” و “تاكر كالسون”، جميعهم أكّدوا بتصريحاتٍ للإعلام الأمريكي أنّ إيران لم تكن على وَشَك امتِلاكِ سِلاح نووي ولا يَملِكون صواريخ بالسْتيّة تُهدِّد أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، وأنّ الخَطَرَ الإيراني جرى تضخيمُه مِن قِبَل اللوبي الصهيـ.وني وصُقورِ المُحافِظِين الجدُد الذين استخدموا مِلفّات ” جيفري إبستين” لِجَرّ ” دونالد ترامْب” وراء “بنيامين نتنياهو” إلى هذا الحرب، مُلاحِظِين أنّ ذلك يعني أنّ أمريكا بقيادة “ترامْب” ليست ذات سيادة ولا تملك قراراً.

خرافات جديدة!

وكما عرفْنا خرافاتٍ مُؤسِّسةً لإقامةِ الكِيان الصـ.هيوني سنة 1948يتمُّ الآن تَداوُلُ خرافاتٍ مُؤسِّسة لما يُسمّى “دولة إسرائيل الكبرى”، حيث يذهب “جيانغ” الفيلسوف الآخِريّ الأمريكي/الصيني إلى أنّ وراء هذه الحرب ستّ مجموعات سرّيّة لديها نظرة آخِريّة لهذه الحرب، وهي جمعيّات ماسونيّة وصهـ.يو مسيحيّة ويهوديّة مُتغلغِلة في دوائر القرار الأمريكي. وهذه الجمعيّات تعتقِد أنّ “إسرائيل” هي قاعدة القوّة الحقيقيّة للإمبراطوريّة الأمريكيّة عبْر العالَم (وضمْنها المصالح الأمريكيّة في منطقة الخليج) وأنّ هذه الحرب في الشرق الأوسط ستبلغ ذروَتَها بنهاية الأزمنة، وستؤدِّي إلى حرب “آجوج و ماجوج” ونهاية الإمبراطورية الأمريكيّة و في الوقت نفْسه إقامة “دولة إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، وستكون دولة ذكاء اصطناعي تُقيم السلامَ اليهوديَّ وتُفضي إلى تدمير مسجد الأزهر وعَوْدة الشتات اليهودي إلى القدس. وثمّة رواج لهذا التحليل الأسخاتولوجي الذي قدَّمه البروفيسور “جيانغ” الذي كان قد تنبّأ بفوز “دونالد ترامبّ بالانتخابات الرئاسية وبأنّه سيشنّ حرباً على إيران.

وبناء عليه يقول هذا التحليل الأسخاتولوجي إنّ الصـ.هاينة المسيحيِّين عبْر منظّمةٍ تُسمّى “المسيحيّون المُتَّحِدون مِن أجْلِ إسرائيل” التي تضمّ سبعة ملايين عضو بقيادة “هو هاجي” يتغلغلون بشدّة في جهاز الأمْن القومي و “البنتاغون” الأمريكيَّيْن، وأنّ قادة الولايات المتحدة أخبروا جنودَهُم وضبّاطَهُم بأنّ هذه الحرب على إيران هي حربٌ لإعادةِ “يسوع” وبالتالي عليهم أن لا يخافوا.

لكنّ الأكثرَ فضائحيّة هُوَ ما وَرَدَ بتقريرِ صحيفة “نيويورك تايمز” مِن أنّ مصالحَ الولايات المتّحدة الأمريكيّة تُخْتَزَل إلى دخْلٍ شَخْصِيٍّ يَجْبِيهِ “جاريد كوشنر” صهْرُ الرئيس الأمريكي مُقابل دخُول الجيش الأمريكي هذه الحرب، فبَعْد أن تَلَقّى مِن دولةٍ خليجيّة 2 مليار دولار لِجَيْبِهِ وجَيْبِ “ترامْب” يطلبُ مِن الجِّهَة الخليجيّة نفْسِها مليارات الدولارات الإضافيّة، بينما يزعم أنّه يَتَّبِع القانونَ وقواعدَ الأخلاق. ويرى “كاشنر” أنّ ما دُفِعَ له ولسيّدهِ “ترامْب” مُقابِل هذه الحرب حتى الآن ثَمَنٌ زهيد.

تؤكّد الصحيفة الأمريكية نفْسُها أنّ هذه الجِّهَة الخليجيّة، كانت تتحدّث هاتفيّاً بِشَكْلٍ مُتكرِّر مع الرئيس “ترامْب” منذ بَدْءِ الحرب وتطلب مِنه الاستمرارَ بالقصْفِ “وضرْب قلبِ الإيرانيّين” حَرْفِيّاً. و” استمرّ، استمرّ، بالمزيد مِن هذه الحرب. لقد دفَعْنا ثَمَنَها. سَنَحصَلُ على ما دفعْنا ثَمَنَه”. وتضيف الجريدة أنّ الرئيس الأمريكي ” يُؤجِّرُ الجيشَ الأمريكي والسياسة الخارجيّة الأمريكيّة لدولة أجنبيّة ليس فقط مُقابل دَفْع تكاليف الحرب للدولة الأمريكية فقط، بل أيضاً مُقابلَ أموالٍ إضافيّة للرئيس “ترامْب” وعائلته، يقومُ صهْرُهُ جاريد كاشنر بِجِبايَتِها”.

إذن مَن وراءَ هذه الحرب التي تُدمِّر شُعوبَ المنطقة ودُوَلَها وثرواتها ليس المَصالِح الوطنيّة الأمريكيّة بل ضُغُوط اللوبي الصهيـ.وني مِن جِهة وَشهْوَة وجَشَع جُيوب “ترامْب” وعائلته إلى المزيد من المليارات الخليجية مِن جِهة ثانية.

وبالتالي ليس مُستَغْرباً أن يكون الكِيانُ الصهيوني ومُمَوِّلُوّ هذه الحرب والمصالحُ الأمريكيّة والترامْبيّة في هذه المنطقة هدفاً للصواريخ الإيرانيّة.

لكنّ المؤسف أنّ النُّخَبَ السياسيّة والثقافيّة في المنطقة التي يُفْتَرَض أنّها مَعنِيَّة بمآلاتِ هذه الحرب وتداعياتِها على دُوَلِ المنطقة إمّا لاتزال غيْر واعية بأسبابِ هذه الحرب الصهيوأمريكيّة على إيران ولبنان وهذه مصيبة، وإمّا هي واعية واختارت لِنَفْسِها مَوْقِعَ المُتفرِّج أو المُتواطئ مع المُعتَدِين والمصيبة هُنا أعظم.

سؤال حارق؟

يسألُ كاتِبٌ مِن “شبه الجزيرةِ العربيّة”: “هل تبدو المُمانعة والمُقاوَمة لِمَشروعِ الهَيْمَنَةِ الأمريكي الإسرائيلي خياراً رومنسيّاً مُتعالِياً على الواقِع، أم أنّها باتت – وفْقَ هذا المَشْهَد – خياراً وُجُوديّاً لكلّ فَرْدٍ يرى في ذاتِه قِيمة إنسانيّة تستحقّ الدفاعَ عن استقلالِها وحُرمَتِها، بِصَرْفِ النَّظر عن انتمائه الأيديولوجي أو مَنظومَتِه الدِّينيّة؟” و”إلى متى سيظلّ بعضُ النُّخَب يَمِيل إلى التبرير والخُضُوع، خشيَة كلْفة المُواجَهَة، على الرُّغم مِن أنّ كلْفةَ الاستِسلام على المدى البعيد أكبر بِما لا يُقاس، وتكاد تصل إلى حدود التلاشي الكامل أمام مشروع إمبريالي يُعيدُ رَسْمَ المنطقة وفق مَصالِحِه حَصْراً؟”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى