صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: مقدمة ابن خلدون والخطأ الذي ارتكبه المسلمون وشكّل منعرجا تاريخيا لتغيير العالم

slama
كتب: نوفل سلامة

الندوة الفكرية التي أقيمت في الأمسية الرمضانية ليوم الثلاثاء 3 مارس 2026 بالاشتراك بين جمعية تونس للثقافة والتعدد والمركز العربي للأبحاث، ودراسة السياسات مكتب تونس لتقديم الكتاب الجديد لطارق الكحلاوي ‘ابن خلدون والجيوبوليتيك النظرية الخلدونية في الجغرافيا العمرانية’ منشورات ‘شوسيوميديا’، ومن تقديم الأستاذ منير السعيداني قد جاءت في وقتها…

خصوصا والعالم يتابع الحرب المدمرة التي تدور رحاها في الشرق الأوسط بين إيران من جانب وإسرائيل وحليفتها أمريكا من جانب آخر لفهم المشهد السياسي بكل تعقيداته ورهاناته وتداعياته على النظام العربي الإقليمي، والنظام العالمي الذي يعيش فجوة كبرى غير مسبوقة بعد أن تعقدت الأوضاع نتيجة تنازع قوى خطيرة وتصارع مشاريع هيمنة دولية تقودها أمريكا تسعى لرسم جغرافيا جديدة للعالم وفق منطق القوة ولا شيء غير القوة من دون مراعاة للقانون..

ووفق منطق المكاسب و المصالح المباشرة لهذه القوى وخاصة مصلحة إسرائيل الولاية 53 لأمريكا في مقابل قوى أخرى صاعدة تنتمي الى عالم الجنوب تراهن على استرجاع سيادتها وإثبات ذاتها التي يريد الغرب الأطلسي ومنظوماته المهيمنة احتوائها و إضعافها وجعلها خادمة له..

إعادة رسم الخرائط

توقيت تقديم هذا الكتاب كان توقيتا موفقا في علاقة بما يُحاك اليوم في دوائر القرار الغربي ومراكز البحث الامريكية من إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية من منظور القوة والمصلحة، كما قلنا من أجل إعادة بناء كامل للعالم والمحافظة على الهيمنة لقوى الاستكبار العالمي التي تواجه توسع رقعة القوى الرافضة لهذا التشكل الجديد المتنكر لكل القيم الإنسانية ومبادئ العلاقات الدولية القائمة على التعايش السلمي والمناهضة لرسم معادلات جديدة تُبقي إسرائيل القوة الوحيدة في الشرق الأوسط وأمريكا الدولة الوحيدة المتحكمة في مصير كافة الدول.

ميكانيزمات الصعود والأفول

السؤال الذي يطرحه الكتاب والفكرة المركزية التي يدور حولها في معرفة الكيفية التي يمكن بها أن نستفيد من فكر ابن خلدون وخبرته التاريخية في فهم الجغرافيا السياسية الجديدة التي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رسمها والتنظيم الجديد الذي تريد أمريكا وضعه بدل النظام الحالي الذي تهالك ويعيش آخر أيامه تكون فيه إسرائيل أحد عناصر الفاعلة؟ وكيف يمكن الاستفادة من نظرية ابن خلدون في العمران البشري وكل ما وضعه من قوانين وآليات وميكانيزمات في فهم صعود الدول والحضارات وأفولها؟
وكيف يمكن أن نستحضر فكر ابن خلدون الذي يعود إلى سياق سياسي ومعرفي قديم في فهم قضايا راهنية حديثة ومعاصرة؟ وكيف يمكن أن تجعل من العودة إلى ابن خلدون عودة مفيدة في الفهم والإدراك والتحليل في علاقة بين التاريخ والعلم وما هو مطروح اليوم؟

الإضافة التي قدمها كتاب طارق الكحلاوي عن ابن خلدون هو تناوله مسألة العمران البشري وقضية تشكل الدول أفول الحضارات ومسألة طباع البدو والحضر والمسألة السلوكية وقضية الملك وفكرة القبيلة والعصبية التي يدور حولها الوصول الى السلطة والبقاء في الحكم وخسارة الملك وأفول الحضارات من منظور الجغرافيا، ومن زاوية الخرائط الجغرافية للعلماء المسلمين الذين كانوا في العصر الوسيط المتقدم بارعين و متحكمين في هذا النوع من المعرفة وخاصة العالم الشريف الإدريسي ( 1100م / 1166 م ) وكتابه نزهة المشتاق وخرائطه حول العالم القديم وحول البحر المتوسط وما ينسب إليه من وضع أقدم خريطة هي أقرب مخطوط في معرفة البحر الأبيض المتوسط ودول العالم القديم والتي تشبه إلى حد كبير الخرائط المعاصرة رغم أنها منقوصة ولا تشمل الكثير من الدول المعاصرة وخاصة عالم ما وراء المحيط الأطلسي الذي يسمى من مدونات العرب والجغرافيين المسلمين ببحر الظلمات الذي لا يعرفون عنه شيئا.

أهمية الخرائط الجغرافية

من الأفكار المهمة التي تناولها الكتاب هي أن ابن خلدون وهو يكتب كتابه المقدمة كان مُدركا لأهمية الخرائط الجغرافية في الحفاظ على السطوة السياسية في العالم وعلى التحكم في العالم وعلاقة تطور الخرائط في تطور المجتمع من حيث المساعدة على تطور الملاحة البحرية وما يتبع ذلك من تطور التجارة واكتشاف أسواق جديدة لترويج البضائع والمنتجات وتحقيق الأرباح المالية، وبهذه الطريقة تتقدم الدول وتحقق القوة الاقتصادية في سياق عالمي قديم كان يقوم على فكرة أن من يملك البحر يملك العالم ويتحكم فيه..
وهذه المسألة كان ابن خلدون يُدركها جيّدا وكان يراقب ما يحدث في العالم المسيحي من اهتمام بالبحر الأبيض المتوسط و بخرائط المسلمين ومدركا كذلك لما سوف يحققه هذا الاهتمام المسيحي بمسألة الجغرافيا البحرية في نشأة قوة اقتصادية عالمية جديدة تأخذ هذا العلم عن المسلمين وتطوره وتحقق السلطة والسطوة، فكان المنعرج الكبير الذي أشار إليه ابن خلدون هو تحول ريادة وقيادة المعرفة بالبحر إلى العالم المسيحي الذي أخذ علم المسلمين وزاد عليه وطوره واستحوذ عليه لرسم عالم جديد انتج نشأة الرأسمالية التجارية في نسختها الأولى التي قامت على ما حققه البحارة الأوروبيين في البحر الأبيض المتوسط واكتشافهم لأراضي جديدة بفضل الخرائط الجغرافية التي غيّروا فيها على ما كان عند المسلمين فقلبوا قراءة هذه الخرائط التي كانت تُقرأ مع المسلمين من الجنوب فاصبحت مع الأوروبيين تُقرأ من الشمال وبهذه الثورة العلمية في مجال الخرائط البحرية حصلت نقلة في مركز الثقل العالمي إلى أوروبا وأصبح المسلمون يعولون على خرائط الآخرين ويستعينون بها في فهم العالم..

فهم بنية المجتمعات

وظف ابن خلدون مسالة الخرائط البحرية في فهم بنية المجتمعات وربط بين المجال الجغرافي والاهواء والطباع والميولات الفكرية والسياسية حيث اعتبر أن ميولات البشر تختلف من بيئة إلى أخرى والمجالات الجغرافية تؤثر كثيرا في سلوك الأفراد وتختلف من المناطق البحرية إلى المناطق الصحراوية ومن الأماكن الحارة إلى الأماكن الباردة ومن المناطق الجبلية إلى المناطق الساحلية حيث أن اختلاف الطباع يؤثر إلى جانب معطى العصبية في نشأة الملك وتكوّن السلطة ودوامها أو فنائها..

وهذه المسألة في فهم نشأة الدولة تستعيد اليوم قيمتها وحضورها في فهم الصراع في الشرق الأوسط وما يدور من حرب بين ايران وامريكا وحليفتها إسرائيل من حيث فكرة ميلاد الدولة وكهولتها وشيخوختها وارتباط هذا المسار بموضوع الشرعية والمشروعية التي تتآكل مع الزمن والوقوف مع هذه الحرب مع مسار الثورة التي حدثت في ايران بعد اكثر من خمسين عاما على قيامها خاصة وأن الذي يحصل اليوم من حرب مدمرة يطرح السؤال الخلدوني هل في هذا الصراع إعادة تأسيس للتاريخ و تشكل المجتمع وإعادة بناء المعرفة الجغرافية فإذا كانت المعركة القديمة بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي للاستحواذ على الخرائط قد آلت في الأخير إلى هيمنة العالم الأوروبي على هذا النوع من المعرفة فإن الذي يحصل اليوم هو صراع خطير من أجل إعادة رسم جديد للجغرافيا السياسية وإعادة تحديد خرائط جديدة تقودها أمريكا.

من الأفكار المهمة التي ركز عليها الكتاب أن المنعطف الهام الذي غيّر التاريخ في زمن ابن خلدون وخلال القرن الثالث عشر ميلادي وما تلاه والذي أعاد تشكيل العالم ونقل مركز القيادة المعرفية والسياسية من الشرق إلى الغرب هو الحيرة والدهشة التي انتابت العالم الإسلامي بعد أن افتك منه علم البحار وتم تجاوزه في موضوع الجغرافيا البحرية وعلاقتها بالخرائط البحرية التي طورها الغربيون وحالة الهيمنة والاحتلال التي بدأ يشهدها العالم الإسلامي في مجال المعرفة حتى وصل إلى المجال الاقتصادي والتجاري والمالي لينتهي بالاستعمار واحتلال الأوطان..

نظام عالمي جديد

أهمية العودة إلى ابن خلدون اليوم تساعد على فهم طبيعة التحول الذي ينتظر البشرية بعد الإعلان عن أفول النظام العالمي الحالي وفرضيات تشكّل عالم جديد بلاعبين جدد وما تقوم به أمريكا من جهد للحفاظ على موقع القيادة في هذا النظام العالمي ومواصلة الهيمنة، وفي المقابل نشأة تيار صاعد يُعرف بمعارضته لمركزية المعرفة الأوروبية ونبذه الهيمنة بكل أشكالها وخط المقاومة الذي يتبناه الكثير من المثقفين من بلدان عالم الجنوب للتحرر من عملية الإخضاع والاحتلال والهيمنة المعاصرة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى