صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: ‘تشهد عليك قبيبات الشتاء’ كتاب في تحرّر النساء لـ رجاء بن سلامة

slama
كتب: نوفل سلامة

احتضنت مكتبة ” الثقافة ” CULTUREL بطريق قمرت صبيحة يوم الأحد 19 أفريل 2026 ندوة فكرية قدمت خلالها الكاتبة والأستاذة الجامعية رجاء بن سلامة إصدارها الأخير ‘تشهد عليك قبيبات الشتاء’ مع عنوان فرعي ‘في تحرّر النساء’..

مجموعة مقالات

وهو في الأصل مجموعة مقالات كتبت خلال فترات متفاوتة ونصوص فكرية الرابط بينها وضع المرأة ودورها في الحراك الإنساني ومكانتها في حركة التاريخ وأهمية حضور المرأة في الفعل اليومي والنضال النسوي المتواصل من أجل إيجاد موطن قدم لها في عالم القوة فيه للرجل…

فهاجس الكتاب هو القضية الكبرى التي تزال إلى اليوم مطروحة وتثير الكثير من الجدل وهي قضية تحرر المرأة وتحررها من كل القيود والإكراهات والأوضاع الاجتماعية والقناعات الفكرية الراسخة والمسلمات التي تربى عليها الكثير من النساء والتي شكّلت وعيا نسويا حكم علاقتها بالرجل وبكل سلطة داخل المجتمع.
استعملت رجاء بن سلامة تقنية الحكي ووظفت الخرافة الشعبية والحكايات التي كانت ترويها الجدات والأمهات وانطلقت من خرافة شعبية مشهورة
‘قباب المطر الصغيرة’ لتنطلق في طرح الكثير من القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية…

تقول الخرافة الشعبية أن زوجا كان يجلس مع زوجة كل مساء في ‘سقيفة’ المنزل للحديث والسمر. وفي يوم من الأيام نزل المطر غزيراً وكانت حبات المطر ترتطم بالأرض فتكوِّن دوائر شبيهة بالقباب الصغيرة. التفت الرجل إلى زوجته وقال لها: يا فلانة، لو قتلتك ودفنتك لا أحد سيسمع بك أو يراك ” لا من شاف ولا من سمع”. فأجابته الزوجة : بلى، ‘ستشهد عليك قبيبات المطر’… قتل الرجل زوجته، ودفنها في السقيفة.
ومرت الأيام ولم ينتبه أحد إلى الجريمة. ثم تزوج الرجل امرأة أخرى وكان جالساً مع زوجته الجديدة، فنزل المطر مدراراً. فتذكر زوجته السابقة فضحك ضحكاً شديداً فسألته زوجته الجديدة عن سبب ضحكه فقصَّ عليها القصة. ولم يكد نور صبح اليوم التالي ينبلج حتى بعث إليه القاضي بحرسه فقبضوا عليه. التفت الرجل إلى زوجته وقال لها: “غدرتني يا بنت الناس” فأجابته:
‘لم أفعل شيئاً لقد شهدت عليك قبيبات المطر’…

أسئلة حارقة

من خلال هذه الأسطورة أو هذه الخرافة أو الحكاية الشعبية تبدأ رجاء بن سلامة في طرح الكثير من المواضيع الفكرية التي دأبت على طرحها كالحجاب وتحرر المرأة وقضية الميراث وخروج المرأة للعمل وتطرح الكثير من الأسئلة في علاقة بالنسوية وكل القضايا الجندرية المتعارف عليها وتستعمل الكاتبة خرافة قباب المطر الصغيرة لتفسير الكثير من المواضيع ذات العلاقة بالمرأة ونقد كل المفاهيم السائدة وخاصة مقاربات النوع الاجتماعي للجندر.
تعود رجاء بن سلامة إلى الذاكرة وإلى التاريخ والتراث لتجعل منها مجالا للسؤال الفكري وهي عودة غير بريئة خاصة حينما تعتبر أن لـ قباب المطر رمزية مركزية في إعادة التفكير في المسكوت عنه ومعالجة قضايا هي في نظر المجتمع بمثابة القضايا المغلقة وتفكيك الهيمنة الذكورية ومساءلة السائد وموضوع القواعد الاجتماعية المتحكمة.
قباب المطر تحيل على كل التفاصيل الصغيرة التي تعتني بها المرأة في حياتها وتهتم بها وتشير إلى كل المواضيع الجزئية الهامة على صغرها، ولكنها مهمة في عملية التغيير وإنتاج المعنى وصناعة الوعي وتشير كذلك إلى أن كل القضايا المهمة التي يتم التعتيم عنها أو تجاهلها بتعلة أنها فرعية أو ليست لها الأولوية أو أن الظرف التاريخي والاجتماعي لا يناسبها في علاقة بقضايا أخرى يراها المجتمع أكثر أهمية وهي تُعاد في كل مرة وتنكشف، كما انكشفت جريمة الزوج الذي قتل زوجته فقباب المطر هي القضايا الصغيرة التي يتوقف عليها تحقيق القضايا الكبرى ومن دونها لا يتحقق الوعي ولا يحصل التقدم والتغيير الكبير.

معاركنا الصغرى أوّلا

حاولت رجاء بن سلامة من خلال هذا الكتاب واختيارها لهذا العنوان الذي اقتبسته من حكاية شعبية مشهورة أن تطرح الكثير من القضايا الفكرية التي تعدها مركزية لإعادة التفكير في مواضيع لها علاقة بقضايا المرأة المتعددة، وأن تقف على حقيقة مهمة وهي أن معاركنا الكبرى نخسرها حينما نفشل في خوض معاركنا الصغرى في داخلنا بما يعني أنه طالما لم نحسم النقاش بخصوص المواضيع التي نعدها صغيرة وغير مهمة في نظر البعض فإننا لن نقدر على الانتصار في كل الحروب الكبيرة في قضايا التنمية وكل القضايا السياسية والاجتماعية والحضارية.
حاولت أن تقول إن الذي يعيق التحرر الكامل للإنسان والانخراط في المعارك الحضارية الكبرى هو أننا لا نزال إلى اليوم نعيد النقاش ولم نحسم في كل القضايا القديمة التي طرحت في زمن عصر النهضة العربية ولم ننته منها بعد لذلك نحتاج أولا أن نبني انسانا مواطنيا واعيا بكل هذه الإشكاليات وإعداد المواطن القادر على التفكير بعقله لا بعقل الآخرين من خارج كل المسلمات الاجتماعية والدينية إذ كيف يمكن لإنسان لم يتحرر من الأوهام أن يتغير ؟ وكيف يمكن للإنسان غير واع بضرورة مقاومة الألم غير المشروع أن يقاوم كل أشكال الطغيان والوصايا وأن يرى الماضي من دون أن يكون له عبدا؟
تقول رجاء بن سلامة ربما تكون هذه القصة قصة النسوية وأسطورة نشأتها: نساء يواجهن سلطة السيد الطاغية الذي يستمتع كثيراً أو سلطة الزوج – السيد ليستبدلن بها حبَّ القانون وسلطة القانون. أو هي التاريخ المنسي الذي تعيده الذاكرة في شكل قبيبات المطر…
وربما تمثل أيضاً قصة الكتابة والكتابة النسائية في نوع من التأكيد أن محو اﻷثر كاملاً أمر مستحيل لقد أراد الزوج السيد أن يمحو ذاكرة زوجته القتيلة، فأبت آثار القتيلة المحو…
يكفي إذن أن نبحث عن آثار النساء حتى نجدها يكفي أن نرى ما لا يكاد يُرى حتى نراها. قباب المطر هي الذاكرة هي التاريخ هي الوعي المنسي هي النضال المتواصل والطويل والمتعثر هي الكتابة التاريخية التي قد يأتي يوما ويُعترف بها.

يد الضعيف للضعيف

المهم في هذه الخرافة التي تحولت إلى ركيزة لطرح قضايا فكرية شائكة في علاقة بوضع المرأة وحضورها أن فيها طرفا ثالثا مهما، وهي السلطة الرسمية والدولة وتشريعاتها حيث تم استدعاء قوة القانون حتى يتوقف ما يحصل من اعتداءات على المرأة ، استدعاء القاضي كان هو الواسطة بين القتيلة الأولى و الشاهد عن القتل المرأة الثانية التي لا تريد أن تكون قتيلة كسابقتها أو لم ترضَ بأن لا تدلي بشهادة المطر.

تقول رجاء بن سلامة هناك دائرة في هذه الخرافة ترمز إليها دائرية القباب الصغيرة من المطر: تمتد يد الضعيف إلى الضعيف لتخلق دائرةَ مَن يشهدون على القهر والقتل ومَن يقصون قصة الجريمة بعد حدوثها. ودائرة مهمة وضرورية في تدخل الدولة وقوة قانونها لحماية النساء الضحايا…

إنصاف المرأة

إنها تعتبر أنه من دون الدولة والقانون فإنه لن يتم إنصاف المرأة ولا حماية حقوقها ومكتسباتها ونضالها من أجل قضاياها العادلة فالحركة النسوية تحتاج إلى الدولة وقانونها لتثبيت الوعي بالحقوق النسوية فالذي أنصف القتيلة هو القاضي ممثل الدولة…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى