في بنزرت/ ندوة فكرية تطرح سؤالا: كيـف غيّــر طوفــان الأقصــى معادلـة الصــراع؟

مواكبة: الأمين الشابي
“تمر بتاريخ 2 نوفمبر 2025 الذكرى 108 لوعد بلفور المشؤوم الذي ساهم في تأسيس الكيان وفتح أبواب الظلم والإجرام والإبادة الجماعية وتدمير المدن والقرى الفلسطينية.
وتريد الحركة الصه*_يونية اليوم التوسع على حساب الدول العربية المجاورة والهيمنة على مقدرات الأمة العربية والإسلامية عبر اتفاقيات ابراهام الخيانة”. هذا في الحقيقة مستخرج من بيان الرابطة التونسية للتسامح بمناسبة الذكرى 108 لوعد بلفور.
وارتأينا أن يكون هذا المستخرج، أفضل ما نقدم به للندوة الفكرية التي نظمتها الرابطة التونسية للتسامح – فرع بنزرت يوم 01 نوفمبر 2025 بالمركب الثقافي الشيخ ادريس ببنزرت والتي أثث رافع الطبيب من خلالها مداخلة بعنوان “كيف غيّر طوفان الأقصى معادلة الصراع” إلى جانب مداخلة ثانية للأستاذ صلاح المصري حول نفس المحور” الذكرى 108 لوعد بلفور” وقد واكب هذه الندوة عدد هام من المتتبعين للشأن الفلسطيني عامّة وممثلين عن المجتمع المدني. هذا وقد أدار الحوار وبكلّ اقتدار محمد علي خميلة، رئيس فرع الرابطة التونسية للتسامح ببنزرت.
وعليه سنعرض في هذه الورقة، أوّلا، محتوى مداخلة رافع الطبيب. وثانيا مداخلة صلاح المصري. فمداخلات الحضور. ولنختمها بمحطة بمن تمّ تكريمهم بهذه المناسبة.
محاضرة رافع الطبيب
تمهيدا لإلقاء محاضرته، التي تحمل عنوان ” كيف غيّر طوفان الأقصى معادلة الصراع”، بيّن المحاضر بأنّه بالأساس هو مهندس معماري وأستاذ جامعي ملاحظا وأن الهندسة المعمارية لها سمات خاصة، منطلقا من اختصاصه ليبيّن وأنّ الفضاء الذي نحن فيه الآن هو كنيسة بناها الاستعمار الفرنسي. وهذا دليل قاطع على أنّ الاستعمار الفرنسي خطط للبقاء بهذه الربوع.
ملاحظا في سياق متصل وأنّ الثورات عادة لا تدوم أكثر من 108 عام متواصلة وهذا هو الحال بالنسبة لفلسطين .. وبالتالي فالاستعمار الصهيوني هو استعمار توطيني. وبالتالي الثورة الفلسطينية وجدت لتتواصل.
من انتصر ومن انهزم؟
والسؤال المطروح اليوم يتحدث عنه الجميع يقول، من انتصر ومن انهزم؟ وردا على ذلك نقول أنّ الجواب عن مثل هذه المسائل المتعلقة بالحروب يطول جدا. نقول وأنّ الحروب لا تكون الأجوبة بعد نهايتها تصدر في بعض الأيام.
وبالتالي وأن الحروب كلها معولمة وتنتمي إلى نفس المنظومة. فعندما نتحدث عن غزة فإن لها علاقة على يجري اليوم في طونباس في روسيا، وعندها علاقة أيضا بالتحرش بأفغانستان وعندها علاقة بالهجوم الأمريكي على فنزويلا. وبالتالي لا يجب أن نفهم قضية غزة بمعزل عمّا يدور حول الخارطة الجيو سياسية المتقبلة يوميا. ومداخلتي اليوم ستستند على أولا على الصور وعلى التغيرات الكبرى.
لماذا غــزّة؟
لماذا غزّة أخذت كلّ هذا البعد العالمي، وهي التي أصبحت تمثل تحولا “بيراميدي” وذلك يعني وأنّ طريقة التحليل التي كنا نستعملها في فهم هذه القضية الفلسطينية، لا يمكن بالتالي أن يتواصل التحليل بنفس الطريقة القديمة وبنفس المفاهيم. لأنّ غزّة تحوّلت من حركة تحرر وطني ضد أكثر أشكال الاستعمار تخلفا ورجعية، إلى حركة مجتمعية عالمية.
ومن يتحرك اليوم في العالم هي نخبة النخبة في العالم. وبالتالي هي الأجيال التي ستحكم في الغد. وستطرأ من هنا فصاعدا تحولات جذرية على المستوى العالمي. باعتبار وأنّ غزة تحوّلت إلى حركة رمزية لتحرر الشعوب. وهي مناسبة للتذكير بانتهاء دور المنتظمات الأممية أو الإقليمية، التي لم يعد لها دور وتأثير ولا قيمة للتأثير في مجريات الأمور ولن يكون لتصويت هذه المكونات الأممية أيّة قيمة. بل تحرك الشعوب أصبح هو الأساس للتغيير والتأثير.
فكرة المقاومة
فـ غزة حرّكت لدى العديد فكرة المقاومة والمطالبة بالاستقلال الوطني والتحرر لدى الطبقات المسحوقة داخل بلدانها بما فيها الشعوب “الميتة” ببعض دول الخليج والشرق الأوسط. ولذلك طغى العلم الفلسطيني اليوم في كل تحركات الشعوب عبر العالم باعتباره أصبح رمزا للتحرر بل وأصبحت لدى الشعوب فكرة التحرر من الهيمنة الاجتماعية لدى الطبقات المسحوقة من قبل الهيمنة الرأسمالية.
وهذا في الواقع أصبح يثير العديد من حكام عالم؟ والشعوب ليس معزولة عن بعضها بل هي معولمة أيضا، بدليل داء ” كوفيد ” الذي مسّ كل شعوب العالم وحدها في نفس الوقت. وكل ما يجري حتى في مادة التسليح أصبح معولما (تسليح روسيا لإيران بعد حرب الـ 12 يوما) وكل ما يجري في السودان واكرانيا وايران وغزة هناك خيط مشترك بينها وهو عولمة حتّى الحروب.
العالم مقّسم إلى حضارات
لذلك يجب أن نفهم ما يجري في غزة بمعيار أوسع وبمقياس أكبر، حتى نفهم تفاعل القضية مع جوارها ومحيطها. فهل حرب إسرائيل ليست حربا معولمة؟ ألا يوجد 14 جيشا يحمي إسرائيل؟ فهل انتهت الحرب بغزة؟
وهل إسرائيل تحارب لوحدها؟ أ لا توجد معها جيوشا غربية بل وأيضا جيوشا عربانيا (نسبة للعرب)؟ وبالتالي نحن في حرب ضد المجموعات ككلّ وضد الجميع. وفي هذا الصدد يقول أحد المنظرين أن العالم اليوم منقسم إلى 6 مكونات حضارية. والمجموعات الـ 5 الأولى منها هي في حرب ضد المجموعة الـ 6.
أو بالأحرى هذه المجموعة الأخيرة (المجموعة الاسلامية) لأننا نحمل فكر هيمنة.. – في حرب ضد المجموعات الـ خمسة الأخرى. ويقول نحن في حلف حيوي مع الصين والعالم الإسلامي. فنجد مع من نتخاطب في الصين، في حين نجد صعوبة مع الحلف الإسلامي، ولا نجد مع من نتحدث معه. فلا وحدة اسلامية بينهم ولا عقل استراتيجي اسلامي. ويضف حتى لو لم يكن لدى هذه المجموعة السادسة أي العرب والمسلمين، عقيدة المقاومة، سيتم ابادتهم عبر التحالف بين بقية المجموعات ضدّهم. بمعنى آخر الغرب هو في حرب معنا على المجال. فهو بالتالي في حاجة إلى الأرض والمجال والمنطقة هذا الغرب عبر الحروب والقوّة….
الآخرون لا تحرّكهم العاطفة ولا الأهواء بل المجال والمنافع.
وفي هذا الصدد، يرى بعض المنظرين وأنّ العالم مكوّن من مجموعتين. المجموعة الإنسانية الأولى وهي الحاملة للثقافة والمجموعة الإنسانية الثانية هي الملتصقة بالطبيعة. وبطبيعة الشعوب المتخلفة أن تحارب هذه الشعوب المتقدمة، وبالتالي علي هذه الشعوب المتقدمة أن تحارب المجموعة المتخلفة و تستعمرها و تأخذ مجالها لدفع لدينا الحضارة ونشرها لدى هذه الشعوب المتخلفة (متجاوزين الحضارات التي عرفها العالم العربي والإسلامي عبر التاريخ من المرابطين و الموحدين والقرطاجنيين). وبالتالي يرى أحد الصـ هاينة وأن هذه المجموعة المتخلفة هي زائدة عن العدد وبالتالي وجب القضاء عليها (وهذا ما يحدث في غزة وغيرها من مواطن الحروب). بقطع النظر عن الأوصاف الأخرى من عميل وخائن وامبريالي. فالغرب لا يهمه مثل هذه الأوصاف. وبالتالي يمكن تدليس كلّ شيء إلاّ الجغرافيا. وعلى سبيل المثال فتونس هي قلب العالم. وبالرجوع إلى وعد بلفور، وهذا الوعد الذي قدمه بلفور وهو السيد (بريطانيا) يحتقر الجنس اليهـ ودي الذي لا يعتبرهم غير مواطنين وبالتالي هذا الوعد يمثل طردا وكنسا لهذا الجنس
اليهـ ودي في نظرهم من أوروبا. ومن هنا كان هذا الوعد ليغرس اليهود بالشرق الأوسط. وبالتالي المسألة الأساسية هي مسألة المجال؟
الغاز ومستقبله هو وراء كل الصراع
فكل المعركة هي حول المشروع الحريري وعقد اللؤلؤ. ولكن أمام المخزون الغاز الهام الذي يوجد ببحر غزة يعتبر أحد الأسباب المباشرة للصراع باعتبارها تمثل أحد العقد البحرية. وبالتالي الطفرة الغازية ستمثل بالشرق الأوسط والعالم العربي هدفا لكل هذه الصراعات وهذا ما يتجسّد اليوم على الأرض.
وبالتالي لابدّ من التحرك حتى لا يتم هذا المشروع حتى لا تحرم الدول العربية المنتجة للغاز كالجزائر من قطع الطريق أمامها لتزويد أوروبا من الغاز. فإذا أردتم فهم خطوط الحرب تابعوا خطوط النفط؟ هذا هو الأساس والبقية شعارات لا تسمن ولا تغني.
الجانب الثاني، يتمثل في اتخاذ المبادرة لقطع الطريق على المشروع الأول وإرساء مشروع أمريكي بديل ومضاد. لينطلق من الهند ويمر الغاز عبر الإمارات والسعودية ومنه إلى حيفا ولكن عبر الأرض…
ولكن تغير التوجه توجسا من حدوث بعض المشاكل وبالتالي أن تمّ اختيار في إحداث قناة خاصة (قناة بن غوريون) تمر من خليج العقبة ثم الأردن ثم الكـ يان الإسرائيلي. ولكن الإشكال كان في وجود غزّة وكانت الذريعة في طوفان الأقصى؟ ومن هنا علينا النظر في عمق ما يجري في العالم باعتبار الكل مرتبط بالكل. وبالتالي حتى تكون جزءا من العلاقات الدولية لابدّ أن تكون فاعلا في المنطقة. وهذا ما تفعله الصين وروسيا مثلا، بعيدا عن منطق العاطفة والوجدان والأهواء. والسؤال أين العالم العربي والإسلامي من كلّ هذا الذي يتم التخطيط له من استراتيجيات؟
ونحن العرب لا نعرف التحالف لذلك تخلفنا؟ وفي المقابل تختلق أمريكا الحروب هنا وهنالك لمحاصرة المشروع الصيني. وبالتالي لابدّ من حسم الانتماء لأحد هذين القطبين: آسيا أو الغرب؟ لأنه انتهى عهد الدولة القطبية…ولنختم بالقول لا مقاومة بدون ضحايا وخسائر.
مداخلة صلاح المصري
2 نوفمبر 1917 / 25 نوفمبر 2025 يمر اليوم الذكرى 108 لوعد بلفور الذي صنعها أعداؤنا. وفي هذا التاريخ تم الإعلان عن وعد بلفور. والوعد تم وصفه بالمشؤوم، لأنه كان من الإمبريالية البريطانية. وكان كلمة السرّ في هذا الوعد ” أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض” وبالتالي المقاومة بقدر ما تحتاج إلى الحماسة فهي تحتاج إلى العقل. حاول ترامب ونتنياهو أن يرسم مشهدا لطفوان الأقصى كمشهد لنصر استثنائي للعدو.. وساهمت الدوائر الإعلامية في الترويج إلى ذلك. وذلك من دمار وخراب وشهداء طالت حتى القادة من الجانب الفلسطيني. مرورا م بسقوط الدولة السورية بكل مكوناتها ووصولا إلى شن حرب على المقاومة اللبنانية. وبالتالي هناك محاولة مفضوحة لإبراز وأن طوفان الأقصى هو عبارة على كارثة على الأمة العربية والإسلامية. وبالتالي الهدف هو الانقلاب على نجاح طوفان الأقصى باعتباره توافق على الفهم والفكر الصـ. هيوني رغم كل ما لديه من وسائل تكنولوجية حديثة.
الطوفان افتك المبادرة
ومن هنا علينا الردّ على هذا الترويج السلبي لنجاح طوفان الأقصى. فغزة ليست كل فلسطين بدليل وأن أسماء المخيمات هي بأسماء. وطوفان الأقصى هو الإجابة التاريخية على هذا الوعد. وفي نظر الغرب لم يتم استكمال وعد بلفور، وعليه جاء الطوفان ليؤكد وأن لهذه الأرض شعبها يرفض التهجير.
وبالتالي هذا الصمود يعيد كتابة التاريخ وتصحيحه. عبر كل المحطات التي عرفتها القضية الفلسطينية. والأهم وأن كل العالم اعترف اليوم وأن مقولة ” أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ” هي مقولة كاذبة، بدليل صمود الشعب الفلسطيني رغم محاولات الإبادة والقتل على الهوية وغيرها من العمليات الاجرامية. وطوفان الأقصى تعتبر عملية استثنائية استطاعت أن تفتك عبرها المبادرة في فجر 7 أكتوبر 2023. وبالتالي أتت لتؤكد للجانب الآخر وأن هذه الأرض لها شعبها وأرضها ومقاومتها.
وفي سنة 2023 لاحظنا وجود أمة إسلامية تدافع على الأرض من اليمن إلى العراق مرورا بلبنان. وجعلت مجال المعركة يتجاوز حدود فلسطين. وكذلك طوفان الأقصى انتشر عالميا وحرك الضمير العالمي ليعبر عن الانتماء إلى الإنسانية. وهذا يظهر ليس فقط في حركة التظاهر في العالم بل وكذلك في التعامل مع 500 فرد في أكثر 45 دولة في اطار اسطول الصمود الذي جعل البحر الأبيض المتوسط ساحة مواجهة، و من أن يجمع شمال المتوسط بجنوبه.
وبالتالي لا يمكن لمؤرخ اليوم أن ينكر وأنّ أرض فلسطين بلا شعب. وأكثر نضيف وأنّ أكثر علم عرف في العالم هو علم فلسطين. وأكثر علم تم حرقه في العالم هو علم الكيان..
وبالتالي الإنسانية التقطت هذه اللحظة وفهمت وأن المعركة ليست معركة فلسطين فحسب بل هي معركة عالمية ضد الامبريالية والصهيونية العالمية. وبالتالي ما دام العدو عالمي فالمقاومة يجب أن تكون أيضا عالميا.
النّقـــــــــــــاش
تمحور النقاش عبر تساؤلات في أغلبها لعلّ أهمّها، لماذا طوفان الأقصى وهل كان ذلك الذريعة لتحرّك الامبريالية العالمية؟ هل هناك مجال لقيام مشروع وطني عربي؟ هل يوجد طريق ثالث غير القطب الآسياوي أو الغربي؟ لاحظنا بمناسبة طوفان الأقصى وأن بعض العرب اصطفوا إلى جانب الكيان بل وأوجدوا تحالفا معه وبالتالي أمام هذا المشهد المعقد ما هي إمكانات المقاومة؟ استعمالك خلال المداخلة لكلمات مفاتيح هانة ولكن غاب عنها الكلمة المفتاح ” عنصر المفاجئة” كما تمّ في إطار طوفان الأقصى؟
تكريـــــــــــــــم
وبعد انتهاء المداخلتين تمّ تكريم مجموعة من بعض الفاعلين على الساحة إسنادا لفلسطين وتحديدا ما يحدث من اعتداء وإجرام في حق أبناء غزّة الصامدة وذلك من قبل الرابطة التونسية للتسامح. وهم على التوالي، رافع الطبيب ولمياء الدريدي ومحمد الهادي حامد ومريم الطرابلسي والأمين الشابي وزهور الطرابلسي وكمال الطياشي ومنجي الطياشي. والصور الملحقة تجسّد بعض هذا التتويج.






