صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: مائوية الدكتور محمد الطيب القصّاب (1936-1986)

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

يُعدّ الدكتور محمد الطيب القصّاب واحدا من أساطين الطب في بلادنا إلا أنه لم يُعمر والأعمار بيد الله الذي يقول في حق نفسه وقوله الحق مخاطبا عباده: ‘الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا’ (سورة الملك).

لقد جادت قريحة الشاعر أحمد اللغماني عند رثائه لأحد أترابه فنظم :
لقد خلص الروح من جسمه
كما يخلص التبر من تربه
هو الروح من أمر ربه،
فلا تغوص العقول إلى لبّه

البدايات

ولد في مدينة تونس بحي باب سويقة يوم 04 جوان 1926 في عائلة تتركب من 7 أبناء وبنات وكان والده يشتغل في جريدة La Dépêche Tunisie.
إثر تعلمه بالمرحلتين الابتدائية والثانوية بالصادقية تحصل على شهادة الباكالوريا عام 1945 فواصل تعليمه العالي في كلية الطب بباريس حيث نال سنة 1961 شهادة الدكتوراه ثم تخصص في مجال تقويم الأعضاء وجراحتها.
تحصل سنة 1960 على منحة من المنظمة العالمية للصحة لقضاء عام تخصص بلندن.

اشتغل في باريس

اشتغل كطبيب رئيس في مستشفى Cochin بباريس مدة 3 سنوات، تحول إلى كندا والولايات المتحدة للتحصيل على مزيد من الخبرة ولكنه لم يمكث هناك فعاد إلى حضن وطنه عام 1964 وباشر عمله بمستشفى الرابطة في اختصاص لم نعهده وهو تقويم الأعضاء وعلاج الشلل وجبر العظام والمفاصل، وإنقاذ العديد من الذين يتعرضون إلى حوادث شغل أو مرور.
شهد له الجميع بأنه كان جراحا ماهرا.

كوّن أفواجا من الأطباء

إلى جانب ذلك فلقد استنجب للتدريس بالكلية الناشئة للطب بتونس فأمكن له إعداد أفواج من الأطباء المتمكنين من علمه ولقد كان مثلما جاء بقلم المنعم محمد علي بلحولة في كتابه المرجع “الطبيب التونسي” يحث طلبته على بذل الجهد والتضحية من أجل المهنة لخير الصحة :”ثم يضيف ‘لقد أصبح الطب التونسي بفضله يسير من حين إلى آخر’.
هذا الرائد في مجاله هو الذي انطلق في سنة 1971 في تحقيق انجاز مبهر وهو مركز الجبر وتقويم الأعضاء بقصر السعيد وقد أصبح يحمل اسمه عرفانا وتكريما.

نشاط جمعياتي

كان للقصاب نشاط كثيف في المجال الجمعياتي من ذلك أنه أسس وترأس المجموعة التونسية لدراسة الأورام العظيمة، وكذلك الجمعية العامة للقاصرين عن الحركة العضوية التي بعثها يوم 25 ماي سنة 1985.
إلى جانب مشاركته الفعّالة في عديد الجمعيات العلمية الفرنكوفونية في مجال اختصاصه وكتاباته وتحريره لعديد الفصول في المجلات العلمية ذات الرواج الكوني.
أما عن تأسيس هذا الأثر الخالد أي معهد قصر السعيد فإنه كان يقول أن فكرة بناءه كانت تخامره منذ سنة 1958 وقد كان عند انطلاقه هو الأول في إفريقيا.
يروي أنه عندما تعرض لبعض التعطيلات البيروقراطية تظلّم للرئيس بورقيبة فنادى هذا الأخير الوزير المكلف بالصحة وقال له : “إن أمثالك الذين يقدرون على تبوء الوزارة كُثر أما هذا الطبيب فهو فذ”.

إن هذه الرواية دلالة أخرى على اعتناء دولة الاستقلال بالصحة العمومية من خلال مدّ شبكة من المستوصفات في الخط الأول والمستشفيات جهويا ومركزيا ومراكز متخصصة مثلما تم الأمر في أريانة عام 1958 عند إنشاء معهد الأمراض الصدرية ثم المعاهد المنتصبة في هضبة باب سعدون في جلّ الاختصاصات.
كان الأستاذ الطيب القصاب محاطا بعديد الأطباء الشبّان الذين تتلمذوا له ومن بينهم الصديق الطيب ليتيم والمنصف بن عبيد وماهر بن غشام وهشام البحري ونور الدين سليمان الذي فارقنا منذ أيام.

مرض مفاجئ ثم رحيل

حلّ أجله إثر مرض مفاجئ في نيامي عاصمة النيجر وهو في مهمة الإشراف على تركيز معهد مماثل لمعهدنا فوقع نقله إلى باريس حيث لفظ أنفاسه رحمه الله يوم 25 ديسمبر 1986 بمستشفى Saint- Joseph ثم دفن في تونس يوم 30 من الشهر نفسه في جنازة مهيبة.
لقد سنّ رفاقه إحياء ذكراه بتنظيم أيام علمية كل عام في رحاب معهده الطائر الذكر.
ولقد منحته الكثير من المدن اسمه لأحد أنهجها ومن ضمنها مدينة أريانة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى