عيسى البكوش يكتب: كيف السبيل إلى مزيد التعريف بأقطاب تونس الثلاثة؟


كتب: عيسى البكوش
إنّ بلدنا هذا يحقّ لنا أن نقول في شأنه أنّه منذ سالف الأزمان بلد مستقطِب كمثل المغناطيس للمعادن النفيسة.
وفي الحاضرة لوحدها تكاثر عدد الأقطاب غير أنّ ثلاثة من بينهم بصموا هذه الأرض منذ قرون وللأبد، اثنان منهما قدما إليها من طرابلس والآخر استقرّ بها بعد أن نشأ في المدينة المجاورة أريانة.
علي بن زياد
الأّوّل هو علي بن زياد الذي حمل معه إلينا مذهب الإمام مالك بن أنس (93-179 هـ)، أدرك الإمام في المدينة المنوّرة وهو الوحيد من بين علمائنا الذي فاز بهذا السبق.
ولقد تتلمذ عليه الإمام سحنون بن سعيد وأسد بن الفرات اللذين سافرا إلى البقاع المقدّسة ولكن بعد التحاق إمام دار الهجرة بالرفيق الأعلى.
انتصب علي بن زياد منذ حلوله بظهرانينا سنة 150 للهجرة للتدريس بجامع الزيتونة ومكث في تلك الخطة طيلة ثلاثة وثلاثين عاما.
ألّف كتاب ‘خير من زنته’ استعرض فيه مسائل فقهيّة متعلقة بالعلاقات الاجتماعية بين الناس، وألّف بالخصوص كتاب “الموطّأ” الذي حقّقه فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر (1911-1997) ونشره تحت عنوان ” قطعة من موطّأ بن زياد” صدر عن الدار التونسية للنشر.
يقول المنعّم النيفر في شأنه: ” علي بن زياد هو مؤسّس المدرسة التونسية بأجلى مظاهرها التي لا تزال إلى اليوم مستندة الفروع ثابتة الأصول “.
ثمّ يضيف: ” وكأنّ أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب”.
ثمّ يبيّن مسألة تعدّد الموطئات : “تعدّد الرواة عن مالك للموطأ واختلفت رواياتهم فكانت هناك موطئات ينسب كلّ موطأ إلى راوية فيقال: موطأ علي بن زياد وموطّأ ابن يحيى الليثي وموطأ عبد الرحمن ابن القاسم وهكذا..”.
توفي ابن زياد سنة 183 هـ- 799م أي بعد أربع سنوات من مالك ودفن في الممر الذي يحمل اسمه قرب مستشفى عزيزة عثمانة.
وإنّي أرى أنّ الرجل وقد جاورنا منذ اثني عشر قرنا جدير بأن نُحيّ ذكراه ونعرّف بمناقبه وذلك بتنظيم ملتقى سنوي بالتداول مع الشقيقة ليبيا بما أنّه ينتمي إلى الرصيد المشترك لشعب واحد في قطرين.
محرز بن خلف
ثاني الأقطاب جاء إلى هذه الدنيا في أواسط القرن الرابع للهجرة وهو محرز بن خلف (340-413 هـ) من أب من أصول عربيّة وأمّ بربريّة.
ولقد احتفلنا منذ مدّة بألفيّته حسب التقويم القريقوري وتعرضّنا لسيرته، وقد صدرت في شأنه مؤلفات عدّة.
ومع ذلك فإنّنا لم نتوفق إلى الآن في تنظيم ملتقى سنوي يستعرض فيه المختصّون الحقبة الزمنيّة التي عاش فيها محرز والتي تعدّ مفصليّة في تاريخ البلد إذ أنّه وقع فيه الانتصار نهائيّا للمذهب المالكي بعد القوس الفاطمي (904م-972م).
لقد عرضت على مسؤولي التلفزة الوطنية منذ عقدين إعداد مسلسل ذي أربع حلقات تُقرّب هذا السلطان من المشاهدين وتُبعد عنه كلّ ما شاب شخصيّته من الأساطير، فهو رجل صاحب مشروع سياسي وعمراني وباختصار حضاري وهو من جلب الانتباه حتى من وراء الحدود، فلقد أعلمني المنعّم زكرياء بن مصطفى أنّ القائد الكشفي اللبناني الأمير يوسف دندن هو أحد مريدي محرز، فلِم لا ننجز مثل هذه الأعمال التي يمكن تسويقها بفضل اتحاد إذاعات الدول العربية إلى كلّ البلدان العربيّة وحتّى بلدان أخرى تشاطرنا قيم التسامح الذي كان وما زال ‘سيدي محرز’ أحد روّاده.
أبو الحسن الشاذلي
ثالث الثلاثة قدم إلينا في القرن السادس للهجرة من غمارة بالمغرب الأقصى مارّا نحو البقاع المقدّسة ثمّ عاد فطاب له المقام عندنا ولم يغادرنا إلا للقيام مجدّدا بفريضة الحجّ ولكن المنيّة أدركته في صحراء عيذاب بمصر هو أبو الحسن الشاذلي (571-656 هـ) وما أدراك ما الإمام المتصوّفة في هذه الربوع.
لقد أدرك عندنا الشيخين محمد الظريف وأبي السعيد الباجي ولكنه تجاوزهما بفضل عدد المريدين وفي مقدّمتهم أصحابه الأربعين والذين كرّسوا عندنا وفي بلاد الكنانة الطريقة الشاذلية.
وأصبحت مغارته بالجبل الرفيع (جبل التوبة) مقصدا للذاكرين ‘على مدار السنة منذ رحيل الرجل.
فلِم لا ينتظم عندنا وبالتناوب مع المغرب بلد الولادة ومصر بلد الوفاة موعدا سنويّا لمزيد التعريف بهذا الرجل طيّب الذكر شأنه شأن القطبين الآخرين’.
فهل من مجيب؟…




