عيسى البكوش يكتب/ الشاذلي زوكار (1931-2008)..على خطى نزار قبّاني وسان جون بيرس


كتب: عيسى البكوش
الشاذلي زوكار..هو شاعر ليس ككلّ الشعراء بل قل أمثاله قليلون.
هو من طينة الشعراء الديبلوماسيين وليس معنى ذلك أنه يتعامل مع الآخرين بلباقة مثلما يوحي به ذلك النعت فهو من دون شك كذلك، ولكنه وهنا مربط الفرس هو رجل متقاعد من السلك الديبلوماسي، وليس من الشعر.
بعدما قضى عدّة عقود فيه منتقلا من القاهرة المعزّية إلى اليمن السعيد مرورا بلبنان والأردن والكويت والسعودية مثله كمثل شاعرين تعلّق الكثير منّا بهما واحد نشأ بالشام والآخر في مقاطعة ‘القوادلوب’ الفرنسية.
بين نزار قباني وسان جون بيرس
الأوّل وهو نزار قباني شاعر العاشقين
أمّا الثاني فهو الشاعر سان جون بيرس واسمه الحقيقي الكس سان ليجي المتحصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1980 وهو السفير المتنقل بين عالمين الصين وأمريكا.
نزار قباني شاعر العشق وسان جون بيرس شاعر البحر والشاذلي زوكار شاعر … الورد.
لقد الفنا خلال القرن الماضي النعوت التي كانت تصاحب الشعراء في حياتهم وهي تُسند إليهم من قبل النقاد وجمهور القرّاء تكريما وتشريفا فتصبح سمة لا ولن يمحها الزمن.
خذ مثلا لذلك أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم وشيخ الشعراء اسماعيل صبري هذا الشيخ الذي تيّمته مي زيادة فانشد ذات يوم تأسيا ببشار ومعتذرا عن عدم تمكنه من حضور صالون الثلاثاء.
“روحي على دور بعض الحي حائمة
كظامئ الطير توّاقا إلى الماء
إن لم أمتّع بمي ناظري غدا
انكرت صبحك يا يوم الثلاثاء”.
وبعد،
لمّا عاد عيد الورد إلى أريانة في أبهى الحلل سنة 1997 بعد غيبة طالت، إذ أننا أنشأناه سنة 1982 كان ما ليس منه بدا أيّ مدّ جسر التواصل بين الورد وشاعره.
من هو الشاذلي زوكار؟
أسوق إليكم ما وقع خطه في دليل الكتاب التونسيين الصادر عن اتّحادهم:
– ولد بالمنستير في 26 فيفري 1931.
– زاول تعليمه الابتدائي بمسقط رأسه والثانوي بجامع الزيتونة بالعاصمة ومنه أحرز التحصيل في العلوم سنة 1954.
– سافر إلى القاهرة والتحق بكلية الآداب بها ومنها تحصّل على الاجازة في اللغة والآداب
العربية سنة 1958.
– عيّن ملحقا بإحدى سفارات تونس بالخارج ثم سفيرا بصنعاء.
– كتب الشعر والمقالة الصحفية والنقد الأدبي والخواطر والمذكرات والدراسات وأنتج عديد البرامج الاذاعية.
– من مؤسّسي رابطة القلم الجديد واتحاد الكتاب التونسيين.
– صدر عنه “العشق الوطن” سنة 1967.
هذه نبذة موجزة شحيحة لا تشفي غليل مريديه وهم كثّر.
إنّ شيئين تعلق بهما فكري ولقيا في نفسي هوى: “أوراق وردية” وهو عنوان خواطر أسبوعية في جريدة الحرية، و”زخارف” تلك الحصّة المبثوثة على الهواء ولكنها في حقيقة الأمر والواقع بمثابة النسمات التي تغنّى بها محمد عبد الوهاب: “قال لي كم كلمة تشبه النسمة في ليالي الصيف”. كلمات يصدح بها عبر الأثير أحلى صوتين في الاذاعة عادل يوسف ومفيدة زهاق.
ولقد استأذنت الشاعر عندما استلهمت منه هذا العنوان البديع لمقال نشرته في جريدة الصريح منذ مدّة.
“ومشينا في طريق الورد
من أوّل وهلة
وتناجينا بصمت
دون أن نصنع جملة
وطوينا ألف عام
بخطى يدفعها سحر … وحيّ ..وانسجام”.
حفظ القرآن على والده الشيخ محمد صالح بن علي زوكار، ثمّ تتلمذ على علم من أعلام هذا البلد محمد الهادي العامري معلم أجيال من الشباب المنستيري.
يقول عنه أحد تلاميذه: “هو راوية للأدب حفاظة لأخبار العرب”. كانت له مشاركات أدبية في مجلة المباحث، وترك لنا في المحصّلة کتاب: “تاريخ المغرب العربي في سبعة قرون بين الازدهار والذبول”. نشر الشركة التونسية للتوزيع سنة 1974.
ولكنه انقطع عن الدراسة مدة خمس سنوات فقضاها في مطالعة الكتب والمجلات ومراسلة الصحف ومنها جريدة «النهضة» وملحقها الثقافي الذي كان يشرف عليه الأديب محمد المرزوقي.
إذن نشأ الشاعر وترعرع مثل جان بول سارتر بين الكلمات فارتوى منها وهو في سنّ اليافعين. ثم واصل التعامل مع الكلمات فيما نشره في: «الأسبوع» و«الأخبار» و«الزيتونة» و«المعارف» و«الندوة» و«الفكر» و«الآداب» و«الأديب» و«الرسالة» و«اللغة» ثم في «العمل» و«البيان» و«الشعب» و«الحرية».
لقد نشط في كمّ هائل من الجمعيات ومنها “الشباب الأدبي المنستيري” و”جمعية الطالب المنستيري” وواصل الانخراط والتأسيس في الحقل الجمعياتي في تونس وفي الخارج.
ولكن الملفت للانتباه هو تجاوزه لمحيط الجمعيات الأدبية والثقافية للنضال النقابي صلب الاتحاد العام لطلبة تونس وفرعه في القاهرة وكان من الدعاة إلى تأسيس حركة طالبية عربية.
عاشر قامات أدبية
ثم إنه في القاهرة كان له الحظّ الوفير بتعرّفه عن قُرب على فطاحل الأدب والفكر أمثال طه حسين ونجيب محفوظ وسلامة موسى وشوقي ضيف وسهير القلماوي. وقد كان مراسلا أيّامها للإذاعة التونسية.
كما أنه عاشر في تونس كما في الخارج قامات أدبية ذات شأن من أمثال شيخ الأدباء العربي الكبادي وحسن حسني عبدالوهاب والعروسي المطوي والبشير خريف، إلى جانب محمد الأخضر السائحي من الجزائر وعبد الله القويري من ليبيا، وخلانه نور الدين صمود وجعفر ماجد ومنور صمادح والحبيب الجنحاني ومحمد صالح الجابري وعز الدين المدني وأبو زيان السعدي وعبد الرحمان عمار والميداني بن صالح وزبيدة بشير وناجية ثامر وعبد المجيد التلاتلي ورؤوف الخنيسي ومحمد الحبيب عبّاس وجمال الدين حمدي وغيرهم.
ولقد أسّس صحبة الهادي نعمان رابطة القلم الجديد.
لم ينفك عن الكتابة حتى وهو في الغربة فـ كان الشاذلي زوكار مواظبا على إنتاج برامج إذاعية مثل «رحلة في عالم الفنّ والفكر و’من كل بستان زهرة’.
تعب كلّها الحياة..
إذن لم يشغله عمله الديبلوماسي على ما هو مسكون فيه أي البوح بالكلمات، ولكنها هي الكلمات التي دفعت به إلى الديبلوماسية فقد روى بنفسه بأنه ذات يوم من شهر أكتوبر من سنة 1958 صادفه أمام مقهى باريس المرحوم الحبيب الشطي وكان وقتئذ سفيرا لتونس ببيروت وقال: ‘إني أستمع إلى برامجك في الاذاعة’، ثمّ عرض عليه العمل إلى جانبه كملحق ثقافي بالسفارة.
فهيّأ نفسه بعد مدّة تفكير قصيرة وتزوّج قبل التحاقه بأيّام بمركز عمله الجديد، ثم تواصلت رحلة العمر نحو جدّة فالقاهرة من جديد فعمّان فالكويت وأخيرا صنعاء «صنعاء.. وطال السفر».
ثم عاد إلى وكره يقرض الشعر وينشر الطرب ويهزّ الأسماع، إذ الشعر كما يقول: «إن لم يهزك عند سماعه ليس حريّاً بأن يقال له شعرا».
” لاح في الأفق ضياء وسناء
يغمر الدنيا يا شعاع الخلود
ينشر الأنغام سحرا وأفقا
يغمر الأرض فيهتز الوجود”.
صحيح ما صاغه شاعر المعرّة: تعب كلّها الحياة، ولقد تعب جسد الشاعر فقال في شأنه: «يا جسدي .. يا قصبة تعصف بك الرياح… ».
ولكن قلب الشاعر لم ينفك ولو لحظة واحدة ينبض بالحب… بالعشق… للوطن.. للشعر… للورد .. غير عابئ بوطأة السنين.
لأنه مثل ما أشار إليه الدكتور حسين العوري: ” إنه من طينة الأشجار الدائمة الخضرة، الكريمة العطاء”.
لقد زاره في بيته قبل رحيله الصالون العالمي المتنقل لشعراء العالم ومن ضمنهم الشاعر يوسف رزوقة سفير هذا الصالون الأممي، ولقد تأثر لتلك المبادرة فقال وقوله مسك الختام:
‘إنني أشهد أنني لست يتيما في هذا العالم’.
توفي رحمه الله يوم 2 ديسمبر 2008…




