عيسى البكوش يكتب/ الرفيق عبد الرزاق الكافي (1938-2026) كما عرفته


كتب: عيسى البكوش
لقد غيّب الموت أخيرا الرفيق عبد الرزاق الكافي، وكان من أنشط النشطاء في الحقل السياسي في بلادنا منذ ستينات القرن الماضي.
ولقد تعرّفت عليه منذ حلولي بباريس عام 1964 فتحاببنا وألّف بيننا المناضل ‘المجهول’ المنعّم يوسف الورداني الذي كان يستقطب الطلبة الدستوريين في فرنسا بل في أوروبا، فالتحمت بالمجموعة القريبة منه أي المنعّمين: عبد الرزاق الكافي ومحجوب القرفالي وسليم علولو والطاهر سريّب وهشام بوقمرة والمنصف بن فرحات..
وكانوا جميعا يقطنون بإقامة مونسيني في قلب حي الأوبرا إحدى معاقل النضال الطلابي إلى جانب دار تونس في الحي الجامعي بشارع Jourdan في الدائرة الرابعة عشر Blainville في الحي اللاتيني وبالطبع مقر جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين 115 شارع Saint Michel.
كان يجمعنا حبّ الوطن والتعلق به والرغبة في الذود عن حماه.
تحمّل مسؤوليات
لقد سبقنا الرفيق عبد الرزاق الكافي في تحمّل المسؤوليات الأولى صلب الاتحاد العام لطلبة تونس، إذ أنّه انتمى -إثر المؤتمر التاسع المنعقد بمعهد قرطاج في 28 أوت إلى غرة سبتمبر 1961 برئاسة المنعّم عبد الحميد عمّار تحت شعار ‘الجلاء التام’ ـ إلى المكتب التنفيذي الذي ترأسّه المنعّم محمد الصيّاح وكُلف بالشؤون الداخلية، وكان المكتب يضمّ إلى جانبهما الإخوة والأخت: أحمد بنّور ومحمد بوغزالة ونور الدين قلنزة وعبد الحميد جقيريم وحامد بن سالم وحسن المقراني وليلى الطبربي، ثمّ وقع انتخابه من جديد من قبل المؤتمر العاشر المنعقد ببنزرت من 13 إلى 17 أوت 1962 برئاسة الدكتور سليمان الدقي وتحت شعار ‘تحرير المغرب الكبير’.
وتحمّل إلى جانب الأمين العام الجديد المنعّم عبد الحميد عمّار مسؤولية الشؤون النقابية، وقد ضمّ المكتب التنفيذي الجديد الإخوة: عبد الحميد جقيريم وعبد العزيز غشّام ونور الدين قلنزة وتوفيق الزعنوني وعلي مليان وحميد بولبابة والمختار الشواري وبلقاسم الشابي آخر عضو شيوعي ينضمّ إلى هذا الهيكل العلوي.
وحدثت المفاجأة..
ثمّ انتقل من بعد أن أتمّ هاته المرحلة الخصبة إلى فرنسا لمواصلة تعليمه في مجال الكيمياء النووية وبقي ناشطا قاعديّا إلى أن حلّ موعد المؤتمر الرابع عشر بطبرقة فحدث ما لم يكن يخطر على بال القيادة السياسية آنذاك.
فبُعيد انعقاد الندوة القومية للطلبة الدستوريين التي تسبق عادة انعقاد مؤتمر الاتحاد وذلك ببنزرت تحت إشراف الأخ أحمد المستيري وزير الدفاع، خرجت مسيرة في شوارع المدينة والتي كان يشرف على ولايتها الأخ الهادي البكوش يُطالب المشاركون فيها من الطلبة الدستوريين بالتراجع عن تزكية مدير الحزب لأحد الرفاق لتولي مسؤولية الأمانة العامّة وكانوا يطالبون بالأخ عبد الرزاق الكافي أمينا عاما.
فكانت حركة يمكن اعتبارها بادرة للتمرّد وكانت لها ارتدادات في المؤتمر الثامن عشر بقربة عام 1971، ولكن الأمور هدأت باعتماد حلّ توفيقي يحافظ على الأمين المختار ويسمح للمؤتمرين في طبرقة باختيار من يشاؤون من أعضاء الهيئة الإدارية الجديدة!.
مسؤوليات شتّى
لقد تمتّنت أواصر الودّ بيني وبين الرفيق عبد الرزاق وهو في شتّى المسؤوليات كمدير لديوان وزير التربية المنعّم أحمد بن صالح، ووال بباجة ثم بعد فترة عبور الصحراء، والي في جندوبة فمدير للإذاعة حيث دعوته وأنا أتحمّل وزر بلدية أريانة لعدّة مناسبات ومنها حفل تكريم رضا القلعي سنة 1981 وتدشين شارع الحبيب بالحارث بحي النزهة.
ثمّ كان من واجبي وهو من منظوري في مدينة أريانة أن احتفي به عند تعيينه من طرف الرئيس بورقيبة وزيرا للإعلام عام 1983.
ثمّ التقينا في رحاب المجلس الاقتصادي والاجتماعي عند ترأسه له وكنت آنذاك رئيسا بالنيابة للجنة العلاقات الدولية بالمجلس.
هي محطّات عديدة في مسيرة قصيرة وإن طالت ولكنها حبلى بالأحداث بحلوها ومرّها.
يقول الحق في محكم تنزيله: ” وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى*وأنّ سعيَه سوف يُرى* ثمّ يُجزاه الجزاء الأوفى* وأنّ إلى ربّك المنتهى” سورة النجم (الآيات 39-42).
رحم الله الفقيد العزيز وأسكنه فراديس جنانه ورزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.




