عيسى البكوش يكتب: أسواق مدينة تونس…إلى أين؟


كتب: عيسى البكوش
ماذا لو تخلّت مدينة تونس عن أسواقها الذي يرجع تاريخ بعضها إلى ثمانمائة سنة خلت؟.
هل من الممكن أن يجول بخاطرنا مثل هذا الأمر الجلل؟..
طبعا سوف لن يتردّد المتفائلون مثلي بالإجابة الفوريّة: لا وألف لا، تلك أمانيهم.
ولكن مثلما أخبرنا أمير الشعراء أحمد شوقي:
” وما نيل المطالب بالتمنّي
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”
أي أنّه إذا ما رمنا تحقيق غاية، كان لابدّ من السعي والمثابرة، وأن لا نبقى مكتوفي الأيدي متحسّرين مغلوبين أمام هذا الذي يهدّد بُنية أسواقنا باعتبار أنّ بعضها قد اندثر وأصبح أثرا بعد عين.
سوق الفكّة
خذ مثلا حيّا إذا جاز القول: سوق الفكّة، لقد تحدثت عنها بإطناب في فصول نشرتها على أعمدة جريدة الصريح الغرّاء سنة 2019.
إذّاك وقعت دعوتي للمشاركة في برنامج ‘نسمة الصباح’ بالقناة الأولى للتلفزة الوطنيّة لكشف الغطاء عن هذا الفضاء المهجور وقد حاورتني السيدة إنصاف اليحياوي وقالت إنّ كثيرا من المشاهدين يتساءلون: ما الفكّة وأين توجد هذه السّوق؟
وأجبتها: ” أمّا الفكّة فأصلها الفاكهة وقع إدغام الهاء في الكاف مع حذف الألف، وأمّا المكان فهو قبالة المدخل الشرقي لجامع الزيتونة”.
هكذا انطفأ بريق إحدى للآلئ المدينة.
سوق الصبّاغين..
ومن قبل ذلك انحسر سوق الصبّاغين الذي كان خلال القرن الماضي مقصدا لأصحاب الماركات العالمية في الأقمشة حيث يُقبلون عليه بحثا عن الألوان التي تلائم مشجونهم، وكان أصحاب هذه الصنعة يتقنونها إلى حدّ أنّه مثلما عثرت في إحدى مجلاتي القديمة ‘الإذاعة’ عدد جوان 1962: ” استخراج 79 لونا خصوصيا من ثلاثة ألوان هي : الأحمر والأزرق والأصفر. هذا ما صرّح به أمين السوق آنذاك الشيخ محمد بن عثمان الذي يؤكد أنّ صناعة الصباغة ازدهرت في تونس ازدهارا لم يعرفه أيّ بلد آخر في العالم”.
سوق العطارين وسوق النحاس
ثمّ ها هو سوق العطّارين، وهو من إنشاء مؤسّس الدولة الحفصيّة أبو زكرياء يتهدّده نفس المصير إن لم نسارع بتحصينه.
ولقد تقدّمت منذ عقدين بمقترح إنشاء متحف للعطور في فضاء ميضة السلطان وهي على مرمى ورد من السوق، علّنا نحافظ ولو في صيغة متحفيّة على هذا التراث الذي تفوح منه رائحة التاريخ.
أمّا عن سوق النحاس فلقد صحّ فيه قول الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي: “لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان….”
ومع ذلك فالخير في بقيّة الأسواق في المنطقة المرتفعة من هضبة المدينة كسوق القماش واللفّة والترك و’الجرابة’ وبالطبع البركة، وفي المنطقة السفلى الڤرانة والحفصيّة.
وحتّى أسواق الخضر والغلال فهي فانية، خذ مثلا لذلك سوق سيدي السريديك الذي لا تسمع فيه الآن إلا أصداء الماضي، وسوق سيدي عبد السلام الذي التهمته النيران.
هي نوائب الزمان التي لا مردّ لها، غير أنّ الإنسان المعاصر محمول عليه صيانة ما وضعه أخوه الإنسان المتقدّم من بصمات على هذه الأرض التي تستمرّ فوقها الحياة.
كتبت في المسلاة “طقطاقو” التي صدرت عن دار نقوش عربيّة عام 2022:
• الصيانة … جماعة الصيانة
• فاش يصونوا؟
• يصونوا في الذاكرة هوما جماعة Nostalgiques
• آش معناها؟
• معناها… حنينين
• على شكون يحنّوا؟
• على المعالم والمواقع : يحنوا على الأسواق اللي بدات البعض منها ساق نجعك ساق، وينو سوق الفكه ويني الكتبية.
• ويني وذني
• تتمقصص
• لا نثبّت فيها.




