الصريح الثقافي

عندما تتحول الحنايا الرومانية بباردو الى شاشة حاضنة للتاريخ والإبداع

كتب: شمس الدين العوني

للحنايا حكاياتها الممتدة في الزمان و المكان ..ثمة ما يقول بألق القرون المرسوم في تشكلات الحجر القديم ..حاضن التاريخ و الجمال..حيث النبع و المجد المبثوث في الجهات.

في موعد ثقافي استثنائي، انطلقت فعاليات تظاهرة CINÉ ARCADE DU BARDO – سينما الحنايا بفضاء الحنايا الرومانية بباردو، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وتنظيم وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، وبالتعاون مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بتونس، وبالشراكة مع المركز الوطني للسينما والصورة وبلدية باردو.
وقد شهد حفل الافتتاح حضور أمينة الصرارفي وزيرة الشؤون الثقافية، وربيعة بالفقيرة المديرة العامة لوكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، إلى جانب معتمد باردو وسام السبيكي، وعماد مديوني المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بتونس، وعدد من إطارات الوزارة والوكالة، وأعضاء المجلس المحلي بباردو، والفرع المحلي للكشافة التونسية بباردو، والفرع المحلي للهلال الأحمر، وممثلين عن المجتمع المدني وجمهور واسع من عشّاق الثقافة والفن.

لوحات بصرية

انطلقت الأمسية بعرض إضاءة فنية Mapping على جدران الحنايا التي تحوّلت إلى لوحات بصرية نابضة بالحياة عكست جلال التاريخ وسحر المكان، تلاها أداء تحية العلم ثم كلمة ترحاب أبرزت رمزية هذا الموقع الأثري باعتباره شاهدًا على عظمة الحضارة الرومانية وفضاءً مفتوحًا أمام الإبداع المعاصر. وقد أمتع الحكواتي هشام درويش الحضور بعرض شيّق بأسلوب استعاد فيه قصص الحنايا قديمًا وحديثًا، لتُختتم هذه الفقرة بمزيج من الحكاية الشعبية وذاكرة المكان.
بعد ذلك، عُرض شريط قصير من إنتاج الوكالة بعنوان “قرطاج أرض الحضارات وذاكرة الإنسانية” تناول رحلة المياه من زغوان وصولًا إلى الصهاريج المعلّقة عبر شبكة الحنايا الرومانية، في ربط بديع بين التراث المائي والذاكرة الحضرية.

برنامج متنوّع

وتواصل البرنامج بفيلم “ڤدحة” للمخرج التونسي أنيس الأسود الذي شدّ الأنظار بطرحه مشاكل الطبقات الاجتماعية المهمشة في تونس، كما يشير إلى تصدّع بعض ثوابتها القِيَمية والأسرية، قبل أن تُسدل الستارة على عرض موسيقي ثري بعنوان “ولاّدة” للفنانة لبنى نعمان.
تميّزت هذه التظاهرة بتفاعل جماهيري لافت، حيث شدّت العروض البصرية الأنظار وأثارت الحكايات الشعبية إعجاب الحاضرين، في حين كان للعرض الموسيقي وقعه الخاص الذي جسّد تعطش الجمهور لمثل هذه المبادرات الثقافية التي تفتح أمامهم فسحة لقاء بين التاريخ والفن.
جاءت هذه التظاهرة لتجسّد رؤية وزارة الشؤون الثقافية ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية في جعل الفضاءات الأثرية فضاءات حيّة تحتضن الفنون وتعانق الإبداع، ولتؤكد أنّ التراث ليس مجرّد أطلال صامتة أو بقايا من الماضي، بل هو ذاكرة نابضة ورافد أساسي للهوية الوطنية، ومصدر إلهام متجدّد للفن وللمخيال الجمعي التونسي. فهي دعوة إلى قراءة الحاضر بعيون التاريخ، وإلى تحويل المواقع الأثرية إلى جسور حقيقية تصل بين الأجيال، حيث تلتقي الأصالة بالحداثة، ويصبح التراث منبعًا للتعبير الفني وركيزة لمشاريع ثقافية مستدامة تساهم في تنمية الوعي الجماعي وتعزيز الانتماء الحضاري.
إنّ إعادة إحياء هذه الفضاءات وفتحها أمام السينما والفنون لا يمثّل مجرّد نشاط ثقافي ظرفي، بل هو استثمار طويل المدى في ذاكرة المكان وفي طاقات الشباب، بما يكرّس صورة تونس كبلد للثقافة والحوار والإبداع المتجدد.

مفاجآت فنية

هذا و قد تواصلت العروض ببرنامج متنوّع تضمّن أشرطة جديدة ومفاجآت فنية. و كانت الدعوة مفتوحة لكل عشّاق الثقافة والفن لمواصلة هذه الرحلة السينمائية في قلب التراث، والاستمتاع بتجربة فريدة تجمع بين روعة المكان وسحر الصورة. وفق عنوان بارز هو “حين يلتقي التاريخ بالسينما يولد السحر”..الحنايا مجال فعل ثقافي و ابداع و صور متعددة تستدعي التاريخ في عناق جمالي مع الحاضر قولا بالفن و دهشة الخيال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى