علمتني الصحافة

كتب: صالح الحاجة
عم صالح المهدي الملقب بزرياب كان في رأيي أكبر فنان تونسي ‘فيسبوكي’ قبل ظهور الفيسبوك ..
كان شديد الحرص على تبييض صورته ونشر أخباره وافتعال حتى بعض المعارك الفنية ..
والغاية الأساسية والمستمرة هي أن يلمع اسم صالح المهدي و’زرياب’ أكثر ما يمكن ..
كان يكتب اخباره بنفسه ويقدمها الى سي الهادي العبيدي بوصفه رئيس تحرير الصباح التي كان يتردد عليها باستمرار في مقرها القديم بنهج علي باش حامبة بالعاصمة..
كان يأتي مبتسما تلك الابتسامة التي يرسمها على وجهه طيلة اليوم ..يسلم على سي الهادي ويقدم له ‘باكو مقروض’ وهو يقول له : كعبات مقروض خير من غناياتي الكل …ذوق وتفكرني ..كعبات قروية …ثم مباشرة يخرج من جيبه كمشة اوراق يضعها على المكتب ثم يزيد في عرض الابتسامة ويقول :
شوف سي الهادي هاني جبتلك سلعة انتاع جمعة كاملة …الحمد لله الخير بزايد …ربي فتح عليا بثلاثة غنايات لـ عُلية ..وزوز لنعمة …وواحدة لمصطفى الشرفي …وموشح …وقطعة صامتة سميتها “تحت السور ” ..وهذي بالذات نحب نسمعهالك كان عجبتك توه نسجلها في الإذاعة وكان ما عجبتكش نطيشها …
عم صالح كان غول موسيقى غزير الإنتاج ..واسع الاطلاع على تاريخ الموسيقى التونسية والشرقية …مثقف موسوعي …ولقب نفسه بزرياب لانه يشتغل بالقضاء ولا يجوز للقاضي أن يجمع بين عملين ..
ومن أكبر المعارك التي خاضها معركته مع الناقد الفني عبد المجيد الساحلي الذي شكك في دكتوراه عم صالح ونبش في ماضيه ولم يهادنه ..ولم يخشاه …وشاكسه طويلا ..
ووصلت المسالة الى القضاء …ولكن في النهاية انتهت المعركة على طريقة ‘جمرة طاحت في الماء’ ..
ومن الفنانين الذين ظهروا بعد عم صالح وهو بالمناسبة أحد تلامذته النجباء الفنان الجميل عدنان الشواشي و ربطته علاقة متينة وجميلة جدا بالصحافة المكتوبة ..
وانا ازعم ان عدنان لو لم يكن مغنيا وملحنا لكان من كبار الصحفيين التونسيين ..
هو يدمن الكتابة مثلما يُدمن التدخين..
فنان في الغناء والتلحين …وفنان في صياغة الكلمات والمقالات..
كان يأتي الى مقر جريدة ” الصريح ” مرة في الاسبوع ومعه مقاله المنقوش ‘نقيشة’…ولا يغادر إلا بعد أن يتم تصفيف المقال وتصحيحه مرة ومرة ..
الصحفي المحترف “يصب ” مقاله ” “صبة واحدة ” ولا يهتم بمحسنات او فواصل بينما عدنان ينتقي كلماته كلمة كلمة ..ويحرص على النقاط والفواصل ..’يطرز طريزة’ …ولا يمل من المراجعة مع المصحح ..
وكان مقاله الأسبوعي عبارة عن لوحة زيتية تعب رسامها في رسمها ..
وكنت انا اتابعه وانا ” باهت ” ..
“باهت ” في صبره …واجتهاده …واصراره …
وكنت اعتقد ومازلت ان عدنان لا يكتب مثل كل الناس بالحبر بل يكتب بالعرق وبحرق اعصابه ..
الم اقل لكم انه فنان مجتهد وكادح وصبور في الميدانين : ميدان الغناء والتلحين …وميدان الكلمة والكتابة ..
وقد كتب ذات مرة عن علاقته بالكتابة فقال :
(الكتابة كالتّلحين بالضّبط وإن اختلفا في أدوات التّعبير والتّجسيم ..
كلاهما يتطلّب الإستعداد التّامّ لإجهاد النّفس وتحفيز الفكر على تجسيم الخواطر والأحاسيس في شكل تعابير لُغَويّة أو موسيقيّة قابلة للفهم و الإستيعاب وجاعلة القارئ أو السّامع يعيش لحظات ممتعة بين عوالم عمق وسحر الكلمات و لذّة و هَدْهَدة النّغمات….
أحببت منذ طفولتي قراءة كلّ ما يُكتب خاصّة في مجالَيْ التّاريخ و الأدب و شُغِفت بالإنصات لكلّ ما أمكن لي الإستماع إليه ممّا يُعزَف و يُغنَّى في العالم…
كنت ولا زلت أجد في المطالعة متعة لا توصف إلى درجة أنّني أصبحت غير قادر على النّوم دون قراءة ولو بضع صفحات من أيّ كتاب حتّى وإن كان من كتب التّاريخ المدرسية لأبنائي….
خلاصة القول أنّ اللّغات كما النّغمات، درر ثمينة متوفّرة في جوف المحيطات لا يمكن الظّفر بها إلّا بالدّربة على الغوص في الأعماق).
بهذه الكلمات يكون قد كشف عن سر تألقه في الكتابة ..أولا أنه يعتبر الكتابة كالتلحين …وثانيا أنه غير قادر على النوم دون قراءة ..
برافو خويا عدنان وانك أهل للموّدة والاحترام والتقدير …




