صالون الصريح

عبد الرحمان بلحاج علي..حين يصبح الوفاء للجذور رسالةً وعطاء..

بدري المداني
كتب: د. بدري المداني

تجمعني بالسفير والباحث عبد الرحمان بلحاج علي علاقة احترام وتقدير، وقد أهداني منذ أسبوعين نسخة من مؤلَّفه ‘بنّان… شتات الذاكرة’، فكانت الهدية في معناها أعمق من مجرّد كتاب؛ إذ حملت إليّ صورة رجل ظلّ، على امتداد مسيرة حافلة بالمسؤوليات، وفيًّا لوطنه، معتزًّا بجذوره، مشدودًا إلى مدينته بنّان، مؤمنًا بأنّ ذاكرة المكان أمانة لا يجوز التفريط فيها.

إنّ ما يستوقفني في هذه الشخصية هو اجتماع أبعاد متكاملة في مسار واحد؛ فهو رجل أمن أدرك حساسية المسؤولية الوطنية، ودبلوماسي خبر العلاقات بين الدول، وباحث اهتمّ بالتاريخ والذاكرة، ومثقف أدرك أنّ خدمة الوطن لا تنتهي بانتهاء المسؤوليات الرسمية، بل قد تبدأ مرحلة أخرى من العطاء، قوامها القلم والتوثيق وإنصاف الذاكرة.

محطات في مسيرة عبد الرحمان بلحاج علي

لقد تدرّج عبد الرحمان بلحاج علي في المسؤوليات الأمنية، وتولّى مناصب عليا، من بينها إدارة شرطة الحدود والأجانب والمدير العام للأمن الرئاسي، وقضّى سنوات في خدمة رئاسة الجمهورية مستشارًا أول مكلّفًا بأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية. ثم انتقل إلى العمل الدبلوماسي، فمثّل تونس في موريتانيا ومالطا، قبل أن يعود إلى قيادة الأمن الوطني في ديسمبر 2015، في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد. كما كانت له صلات بالبحث الأمني من خلال عمله خبيرًا لدى مجلس وزراء الداخلية العرب، فضلًا عن تكوينه بمعهد الدفاع الوطني.
هذه المحطات ليست مجرّد عناوين في سيرة مهنية، بل شواهد على تجربة امتدّت بين الأمن والدولة والدبلوماسية والفكر. غير أنّ الوجه الذي أضاءه كتابه الأخير هو وجه الإنسان الذي لم تشغله مسؤولياته عن مدينته، ولم تحجب عنه أضواء المناصب جذوره الأولى؛ فظلّ لبنّان مكانها في وجدانه، وخصّها بجهد بحثي وتوثيقي يستحقّ التقدير.

استعادة الذاكرة

«بنّان… شتات الذاكرة» ليس مجرّد كتاب في تاريخ المدن، بل مشروع لاستعادة الذاكرة وإنصاف المكان وأهله. ففي سبعمائة صفحة، يفتح المؤلّف أبواب الماضي الغابر، ويتتبّع آثار بنّان وتحولاتها، مستندًا إلى ما أمكنه جمعه من الذاكرة الجماعية المدوّنة والشفوية، وما أتاحته الأرشيفات والوثائق من شواهد. وهو بذلك لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يسعى إلى إعادة تركيب صورة المدينة في سياقها التاريخي، وإبراز ما أسهم به أبناؤها في تاريخ الجهة والوطن.
ولعلّ من أبرز وجوه هذا العمل عنايته بالإنسان الذي صنع التاريخ، والأعلام الذين لم ينالوا دائمًا ما يستحقّونه من حضور في المدونات التاريخية، فضلًا عن استحضار صفحات المقاومة والنضال، ومنها ما يتصل بثورة سعد قم. فالتاريخ ليس تواريخ وأسماء فحسب، بل هو أيضًا معاناة الناس وصبرهم، وكفاحهم من أجل البقاء والكرامة، وما خلّفوه من آثار في الأرض والوجدان.
وإذا كان الكتاب يغوص في الماضي البعيد، فإنّ بنّان الحاضرة تحضر فيه أيضًا باعتزاز؛ مدينة لها تاريخها ورجالاتها وذاكرتها، ولها حقّ في أن تعرف الأجيال الجديدة أصولها وتحولاتها، وأن ترى في حاضرها امتدادًا لمسيرة طويلة من العمل والتضحية والبناء. ومن هنا تأتي قيمة هذا الجهد: فهو لا يستدعي الماضي من أجل الحنين وحده، بل يجعل منه جسرًا لفهم الحاضر، ومصدرًا للوعي بالهوية والمسؤولية تجاه المستقبل.

من معاني شكر النعمة

ومن منظور روحي، أرى في هذا الوفاء للجذور معنى من معاني شكر النعمة؛ فالإنسان الذي يستحضر فضل المكان وأهله، ويحفظ آثار من سبقوه، ويهب علمه ووقته ليعمّ النفع، إنما يحوّل المحبة من شعور باطني إلى عمل نافع. وفي هذا المعنى تلتقي الكتابة التاريخية الصادقة بأدب الإحسان: أن تعطي دون ضجيج، وأن تنصف دون هوى، وأن تترك للناس أثرًا ينتفعون به بعد انقضاء زمن صاحبه.

من باب تقدير الجهد

ولا أقول هذا من باب المجاملة التي تفرضها هدية الكتاب، بل من باب تقدير الجهد الذي يمثّله مؤلَّف في سبعمائة صفحة عن مدينة تستحقّ أن تُقرأ ذاكرتها بعناية. فالهدية قد تكون مناسبة للتعبير عن الامتنان، أمّا قيمة العمل فتُقاس بما يضيفه إلى المعرفة، وبما يفتحه من أبواب للبحث والتوثيق والحوار بين الأجيال.
إنّ أجمل ما في تجربة عبد الرحمان بلحاج علي أنّها تجمع بين خدمة الوطن من مواقع المسؤولية، وخدمة الذاكرة من موقع الباحث، وبين خبرة رجل الدولة ووجدان ابن المدينة. فالمناصب تتغيّر، والسنوات تمضي، لكنّ أثر المعرفة النافعة يبقى، متى أُنجز بصدق وأُتيح للناس.
تحية تقدير للسفير والباحث عبد الرحمان بلحاج علي، على مسيرته الوطنية والدبلوماسية والفكرية، وعلى هذا الجهد المحمود في كتابة تاريخ بنّان وإنصاف ذاكرتها. وطوبى لمدينة تجد بين أبنائها من يعود إلى ماضيها بعين الباحث، ويقرأ حاضرها بعين المحبّ، ويكتب عنها بقلب يرجو أن يبقى من عطائه ما ينفع الناس.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى