الصريح الثقافي

د. هاجر المنصوري تحاضر في بنزرت حول ‘العولمة وتحديات المحافظة على الهويّة الثقافية’

مواكبة: الأمين الشابي

احتضن يوم الأحد الموافق لـ 09 نوفمبر 2025 المركب الثقافي الشيخ ادريس فعاليات ندوة الفكرية، وهي من تنظيم النّادي الثقافي ببنزرت “أرابسك”، وقدمت خلالها الدكتورة هاجر المنصوري محاضرة بعنوان ” العولمة وتحديات المحافظة على الهويّة الثقافية الوطنية…

وفي تقديمه للدكتورة المحاضرة، بيّن رئيس نادي “أرابسك” محجوب أومالك بأنّ الدكتورة هاجر المنصوري هي أستاذة جامعية وشاعرة وروائية وباحثة مختصة في الدراسات الحضارية. لها عدّة منشورات علمية ولها عدّة كتب منها “الحديث بتاء التأنيث ونون النسوة” و “حفريات ورهانات حضارية”. و ديوان شعر بعنوان ” ما لم تبح به الشاعرات ” وتدير صالون “حواء لجميع أصوات النساء” و ليحيل بعد ذلك الكلمة للدكتورة لتقديم مداخلتها.

العولمة وتحديات الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية

سأتناول هذا الموضوع من جانب حضاري. وعلى وجه الاستهلال فإنّ هذا الموضوع ” العولمة وتحديات المحافظة على الهوية الثقافية الوطنية”، أقول وأن مجتمعاتنا المعاصرة تصادف وضعا تاريخيا، تتعاظم فيه الترابطات بين الناس والأماكن والمؤسسات. وقد أطلقت العلوم الاجتماعية، على هذه الظاهرة، ” العولمة” بوصفها صيرورة مركبة تجدد أنماط الإنتاج والاستهلاك والمعرفة.
وإن تتيح العولمة فرص معتبرة في الاقتصاد والمعرفة والتبادل الثقافي، فإنها تفاقم في الوقت نفسه مخاطر التوحيد الثقافي وتآكل الاختصاصات. وبالتالي نطرح بعض الأسئلة، كيف تؤثر العولمة في الهوية الثقافية المحلية وهل يشكل الانفتاح العالمي خطرا على الخصوصيات الثقافية أم يوفر أدوات جديدة لإعادة بناء تلك الخصوصيات وتوحيدها؟

لابدّ من تفصيل مفاهيمي

في هذا الإطار نحتاج إلى التدقيق في معرفة مفهوم “العولمة” باعتبار الخلط بين عدّة مفاهيم، بين العولمة والذكاء الاصطناعي وبين العولمة والرقمنة…
البعض يقحم العولمة في مثل هذه المصطلحات. وعليه نحتاج إلى تفصيل هذه المفاهيم.
وفي هذا الإطار، يعرّف بعض المنظرين “العولمة بكونها ” تكثيف العلاقات الاجتماعية على نطاق عالمي بحيث تربط أحداث تقع في أماكن بعيدة جدا بأحداث محلية، وذلك حسب ‘انطونيو ديدن’ ” ويرى ‘رولاند روبنسن’ بأن ” العولمة ليست فقط انتشارا عالميا للحداثة بل هي تمحور الوعي بالعالم ككل…” والعولمة في تصور مجمل من منظور الدراسات الحضارية هي كثافة الترابطات العابرة للحدود اقتصاديا ومعرفيا وتقنيا يما يعيد تشكيل الزمان والمكان.

1

أما الهويّة الثقافية، حسب أحد المنظرين “ليس مجرد فلكور أو تراث مادي بل هي شبكة من المعاني واللغة والمعاني والرموز ومن الذاكرة الجماعية التي تحدّد من نحن في مقابل من ليس نحن” والهوية ليست جوهرا ثابتا بل هي بناء فردي ديناميكي. وسأتحدث عن الهوية المحلية في السياق العربي. في إطار العروبة والإسلام. ويقول محمد صالح الجابري أنّ “الهوية العربية الإسلامية ليست معطى منغلقا من الماضي بل موضوع صراع ورهان سياسي في الحاضر”
السؤال الآن، بعد هذا التعريف، أين المشكل في كل هذا بين المفهومين للعولمة والهوية الثقافية؟ المشكلة عند التماس الذي قد يحدث بين هذين المفهومين. ولماذا نحتاج العولمة أصلا؟ نحتاجها على مستويات عديدة. نحن نحتاجها على مستوى المعرفة والعلم والبحث والابتكار. فكم من أطروحات تناقش عن بعد؟ نحتاجها في الاقتصاد والتنافسية وجلب الاستثمار.
وفي تعزيز الاعتراف بالتراث المادي واللامادي والانخراط في القيمة العالمية. نحتاجها للتعريف بالذات التونسية مثلا. فهي بالتالي الولوج إليها قدر محتوم وضرورة حضارية، وإلاّ سنكون منقطعين عما يدور في هذا العالم، ونكون كمن لا صوت له. ومن لا صوت له فهو موؤود.

متى تصبح العولمة خطيرة على الهوية الثقافية المحلية؟

سنختصر هنا على 4 مجالات نعتبرها من أخطر المجالات. وهي في مجال القنوات الفضائية وهي خطورة الهيمنة الإعلامية والمنصات وشبكات التواصل. أبسط شيء في مجال الألعاب المقدمة للأطفال وما تحمله هذه الألعاب الافتراضية من رسائل خطيرة على أطفالنا.
يمكن أن تنتج أيضا نمطا استهلاكيا للصور والسرديات غالبا ما تكون بمرجعية غربية. ويكفي الاستدلال على الفظائع التي يقوم بها العدو الصهيوني في غزة والتّي أصبحت معلومة لجلّ العالم مفندّة كل ما تسوق له وسائل الإعلام الغربية الموالية لإسرائيل. ممّا تبيّن للعالم وأنّ ما يحدث في غزّة هي قضية استعمار اسرائيل لفلسطين. والخطورة الثانية في اللغة.
فالانقليزية هي اللغة المهيمنة، في حين ترتب اللغة العربية في المرتبة الرابعة. وبالتالي حتى أكون عالمية عليّ أن أتقن اللغة الأجنبية باعتبارها لغة العلم والابتكار. المستوى الثالث هو مجال السوق والاستهلاك، فتونس أصبحت مثلا سوقا للسلع الأجنبية والتركية تحديدا.. ففي سياق العولمة تباع حتى الهويات. ونعيش طفرة على نفس المطاعم والأكلات الأجنبية واللباس والألعاب الترفيهية هي معلومة. أيضا التحول في الجانب الاجتماعي طالها أيضا هذا المجال. ومن خلال هذه الأمثلة، تضع الهوية الثقافية تضعها في موقع خطر حين تروى حكايتنا بلسان عيرنا وتقدم صورتنا بصورة نمطية. والآخر يحكي عنّا ولكن بصورة متخلفة. وكمثال على ذلك فنحن في شهر التراث، نلبس اللباس التقليدي ولكن بدون تفكير وبحث. وكأننا نعيش فلكلور…

ضرورة التدخل

ومن هنا ضرورة تدخل المؤسسات الرسمية من أجل المحافظة على هويتنا من مخاطر العولمة والاختراق عبر النظام التعليمي خاصة. فجل القضايا هي نظريات غربية. وبالتالي من هذا المنظور قد تكون في خطر. لأننا نخاف أن نصل إلى ما يسمى بالهجنة الثقافية؟ ملاحظة وأن في الدراسات الحديثة للهوية تقول “باحثة الأمريكية” في ملخص دراسة أجرتها على قبائل ” الأباش Les Appaches” وبالتالي الهوية ليست ثابتة بل متحركة ومنفتحة وعملية مستمرة. وبالتالي علينا أن نكون منفتحين ومن يراها منغلقة على نفسها فهو واهم كما يقول الأستاذ طاهر لبيب. فتصبح الهوية المحلية المعولمة، أين يتلاقح المحلي مع العالمي.

النّقـــــــــــــاش

النقاش كان مفيدا وبنّاء، ولكن لا يمكن أن نورد كلّ المطارحات في هذا الحيز الضيق، وبالتالي سنكتفي بمداخلة الأستاذ زهير الذوادي، وإن كانت جلّ المداخلات قيّمة ومفيدة. فقد بيّن الأستاذ زهير وأن العولمة أقدم ظاهرة في التاريخ، على عكس ما يقال لنا حاليا، وليس مفهوما جديدا. فقد عرفت كل من الفرس واليونان والبرابرة والاسلام والعثمانيون والأتراك والغرب العولمة في أشكال مختلفة وغيرهم كانت لهم أيضا عولمة. وهذه العولمة كانت لها مقاومة، حيث قاومتها الشعوب التي لم تكن منتفعة بتلك العولمة.
وبالتالي العولمة هي في النهاية صراع. ولكن ما تجدد اليوم في العولمة هو الخطاب والسردية. مذكرا وأن الكلمات المفاتيح في هذا المجال حسب أحد المفكرين هي ” كيف ينتهي التاريخ ونحن لم نقل كلمتنا الأخيرة ” والتاريخ صراع متواصل لا ينتهي. ليضف المتدخل وأنّ “هيغل” تساءل في أحد مراجعه، “كيف نكتب التاريخ؟” للإجابة يقول المتدخل وأنّ لكتابة التاريخ هناك ثلاثة طرق، كتابة التاريخ الموضوعي الأحداثي، والتاريخ كيف نفكر فيه؟ والتاريخ كيف نحلله. وعلى هذا نؤسس فلسفة التاريخ. والعولمة ليست إلا وسيلة للسيطرة على العالم. والهوية المقاومة ليست إلا وسيلة لجعل العولمة أقل قساوة علينا..
وبالتالي على النخب أن تقاوم. والتجربة التونسية، يضيف المتدخل، أبدعت من خلال مقاومتها للاستعمار باعتباره وجه من وجوه السيطرة. ففي سنة 1920 كان كتاب الثعالبي “تونس الشهيدة تقرر الانتفاض على فرنسا” وبعد ذلك صدر كتاب ” هذه تونس” للحبيب ثامر ثم كتاب علي بلهوان ” تونس الثائرة ” وأخيرا الحبيب بورقيبة ” تونس وفرنسا”.
لتنتهي أجواء النّدوة بتقديم باقة من الزهور للدكتورة هاجر المنصوري – التي أبدعت في تقديمها لمداخلتها بطريقة سلسة لا يكتنفها الغموض – و التقاط بالتالي صورة جماعية لكلّ الحضور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى