الرياحي: أزمة اللحوم الحمراء ضربت منظومة الغذاء في تونس

في تصريح أدلى به لوكالة تونس إفريقيا للأنباء اليوم الأحد 3 ماي 2026، قال رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، إنّ “أزمة اللّحوم الحمراء لم تعد أزمة حالة ظرفية يمكن امتصاصها بتدخلات محدودة، بل أضحت تجسيدا واضحا لاختلال هيكلي يطال إحدى الدعائم الأساسية للأمن الغذائي الوطني”.
ويكشف واقع السوق، وفق الرياحي، عن مفارقة صارخة تتمثل في ارتفاع متواصل للأسعار النهائية مقابل غياب رؤية دقيقة لكلفة الإنتاج وانعدام قاعدة بيانات رقمية موثوقة تمكن من تقييم حجم القطيع وتركيبته، وهو ما يحول دون بناء سياسات قائمة على معطيات صلبة ودقيقة.
واعتبر أن ما نشهده ليس خللا عابرا في التوازنات بل أزمة بنيوية تضرب عمق المنظومة، وأن التفسير التقليدي القائم على فجوة العرض والطلب يزيد في مستوى تعقيد الوضع القائم إذ يغفل البعد الأعمق للأزمة والمتمثل في التآكل الممنهج للقدرة الإنتاجية نفسها.
مسار انكماشي
ولفت رئيس المنظمة إلى أن القطيع الوطني يعرف مسارا انكماشيا متدرجا لا يمكن اختزاله في تأثيرات مناخية ظرفية أو في ارتفاع كلفة الأعلاف فحسب، بل يعكس اختلالا اقتصاديا وهيكليا يدفع الفلاح إلى سلوكيات اضطرارية تمس بجوهر استدامة النشاط وعلى رأسها التفريط في الإناث المنتجة.
وأكد أن هذا الخيار يتعزز بشكل مفارق تحت ضغط ارتفاع الأسعار على مستوى البيع بالتفصيل، بما يحول الارتفاع السعري من حافز للإنتاج إلى عامل استنزاف للقاعدة الإنتاجية ويقوّض تبعا لذلك فرص إعادة التوازن والتعافي في المدى المنظور.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا، بحسب الرياحي، في ظل غياب تحديد منهجي لكلفة الإنتاج حيث لم تعد الأعلاف، التي شهدت انخفاضا ملحوظا، سوى عنصر ضمن منظومة كلفة موسعة تشمل نقائص الحوكمة وضعف التأطير الفني وارتفاع كلفة الخدمات البيطرية وهو ما يراكم أعباء تشغيلية تحد من قدرة الفلاح على تطوير قطيعه وتحسين مردوديته وينعكس هذا الخلل مباشرة على ضعف تثمين المنتوج عند المصدر مقابل تضخم في السعر النهائي، بما يؤكد عجز السوق عن تحقيق توازن فعلي.
غياب رقابة ناجعة
ونبّه المتحدث إلى أن الاختلال لا يقف عند حدود الإنتاج بل يتفاقم على مستوى التوزيع حيث تحولت السلسلة إلى مجال لتضخيم الأسعار بدل نقل القيمة وتعدد الوسطاء وفرض هوامش ربح غير مضبوطة في غياب رقابة ناجعة وآليات شفافة لتأطير الأسعار ما أدى إلى انحراف واضح في عمل السوق حيث يستنزف المستهلك دون أن يتحسن دخل المنتج في مشهد يعكس اختلالا في موازين القوة داخل المنظومة، بحسب قوله.
تعديل نمط الاستهلاك
وأضاف أن هذا المسار يتقاطع مع تدهور القدرة الشرائية للمواطن الذي لم يعد قادرا على مواكبة نسق الارتفاع، مما أدى إلى تعديل قسري في نمط الاستهلاك خاصة في ما يتعلق بالبروتين الحيواني، والحال أن اللحوم الحمراء ليست عنصرا كماليا وهو ما يجعل من تحولها إلى عبئ مالي مؤشرا على خلل أعمق في ربط الإنتاج بحاجيات السوق الداخلية.
تدخّلات ظرفية
أما على مستوى السياسات العمومية، بيّن الرياحي، أن التعامل مع الأزمة ظل محكوما بمنطق التدخل الظرفي عبر اللجوء إلى التوريد أو إجراءات ظرفية لاحتواء الأسعار دون التأسيس لمعالجة جذرية، وهو توجه لا يفضي إلى الحل بل يرحل الإشكال ويضاعف كلفته على المدى المتوسط.
ضرورة دعم الإنتاج
وشدّد على أنّ تجاوز هذا الوضع يقتضي إعادة توجيه السّياسات نحو دعم الإنتاج باعتباره نقطة الانطلاق من خلال حماية القطيع وتنميته وتحسين مردوديته بالتوازي مع دعم المسار الإصلاحي لمنظومة الأعلاف لتقليص التبعية وإعادة تنظيم مسالك التوزيع، بما يحدّ من تضخم الهوامش ويضمن شفافية الأسعار إلى جانب كبح ممارسات الاستفادة غير المشروعة من اختلالات السوق.
الخيار سياسي
وأردف رئيس المنظمة بقوله إن جوهر الإشكال لا يكمن في تفسير ارتفاع الأسعار بل في فهم الأسباب التي جعلت الإنتاج ذاته يفقد مقومات الاستمرار إذ أن الاكتفاء بمعالجة النتائج يكرس إدارة ظرفية للأزمة بينما المطلوب هو تفكيك أسبابها العميقة، ومن هذا المنظور تتحول القضية إلى خيار سياسي واضح بين تبني إصلاح شامل يعيد التوازن للمنظومة أومواصلة إدارة وضع هش تتفاقم كلفته الاقتصادية والاجتماعية مع مرور الوقت”.




