الأمين الشابي يكتب: هل تكسّرت شعارات ‘أمريكا أوّلا’ والغضب الملحمي وزئير الأسد أمام الملحمة البطولية لإيران؟


كتب: الأمين الشابي
كلّ الأطراف الضالعة في الحرب، التي تدور رحاها بين إيران من جانب وأمريكا والكيان الصهـ. يوني من جانب آخر، تدّعي التفوق على الطرف الآخر، ويتسابقان لإنزال الهزيمة بالطرف الثاني؟ والإعلام التابع يصوّر لنا أيضا المعركة كما يراها وحسب ولاءه لهذا الطرف أو ذاك.
في حين وأنّ النتائج على الميدان هي الأصدق وتعطينا فكرة ولو بسيطة على حقيقة ما يجري، بالرّغم من التعتيم الإعلامي الذي يفرضه خاصة الجانب الأمريكي والصهـ.يوني. ولكن العديد من الأسئلة تفرض نفسها في غمار هذه الحرب المدّمرة. منها هل تورط فعلا ترامب في الحرب ووقع في شراك ناتنياهو؟ هل الدخول في الحرب كالخروج منها وبأيّ ثمن؟ ما هي ارتداداتها لو فاز هذا الطرف أو ذاك الطرف؟
هل أوقع نتنياهو بترامب في شباكه؟
رغم ادّعائه وتسويقه للعالم بأسره بكونه صانعا للسّلام، وادّعاؤه أيضا بأنّه تمكّن من إيقاف 8 حروب، إلاّ أنّه في الحقيقة وراء كلّ الحروب المشتعلة هنا وهنالك عبر العالم، خاصة تلك التي لم تخمد بعد بمنطقة الشرق الأوسط. و من هذه المفارقة العجيبة و الغريبة في تصرف ترامب – الذي يدّعي الشيء ويعمل بنقيضه – يبدو أنّ نتنياهو هو من “يسكن” عقله ويحيط حول رقبته حبل ألاعيبه، والتي أوقعت أخيرا به ليشنّ حربا جديدة على إيران. وإن كانت أيضا نرجسية ترامب ومزاجيته وراء فتح هذه الجبهة. بدون أن ننسى طبعا عنصر المصادر الطبيعية على غرار الطاقة والمعادن النادرة التّي طالما أسالت لعاب الرئيس الأمريكي. كلّ هذه العناصر مجتمعة، لعب على حبالها نتنياهو ليوقع بصديقه ترامب بإلزامية الحرب ضدّ إيران. خاصة وأنّه نتنياهو اعتقد – خاطئا – وأنّ ايران لم تعد تلك القوة الضاربة بمنطقة الشرق الأوسط، بعد حرب أولى دامت 12 يوما، هذا فضلا عن الاحتجاجات الدامية التي عرفتها إيران.
وعليه اعتقد نتنياهو وأن المناسبة سانحة للتعجيل بالانقضاض على النظام الإيراني بأقلّ خسائر تُذكر، وبالتالي تحقيق أهدافه و “أحلامه”، وعليه دفع بترامب بأن يوجّه ضربة أقوى من الأولى على إيران، ظنّا منه وأنّها ستستسلم وتنحي أمام القوّة الغاشمة.
إيران لم تركع
ولكن، وبالرغم من القضاء على الصف الأول من القادة السياسيين منذ الوهلة الأولى، لم تركع إيران بل اشتدّت مقاومتها وشنّت حربا ضروسا على كلّ القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة بدول الخليج، وأحكمت الخناق على مضيق هرمز ممّا تسبب في ارتفاع أسعار النفط ومضاعفتها. وهذا من شأنه أن خلق أزمة عالمية وخنق الاقتصاد العالمي بحكم تقلص كميات النفط. هذا فضلا على ما لحق الكيان من دمار شامل لم تعهده في أيّ حرب من حروبها السابقة.
هذا الوضع، جعل ترامب في مأزق كبير داخليا وخارجيا، رغم تلويحه باستقدام قوات “المارينز” وبالتالي فكّ هذه المعضلة بالقوّة الغاشمة. ولكن مثل هذا الوضع يمثّل استنزافا كبيرا لقدرات أمريكا، التي، حسب الكثير من معارضي هذه الحرب، يرونا وأنّها حربا لفائدة الكيان على حساب أمريكا، ممّا جعل المواطن الأمريكي يشعر بتأثير ذلك على حياته اليومية وخاصة في مجال التزود بالبنزين الذي ارتفعت أسعاره فجأة بنحو 30 بالمئة. ومثل هذا المأزق يدفعنا للتساؤل عن كيفية التخلص من هذا المأزق الذي توّرط فيه ترامب بعد تأثير نتياهو عليه بخوض حربا على إيران؟
هل دخول الحرب كالخروج منها؟
اليوم، وبعد دخول الحرب على إيران أسبوعها الرابع، وأمام النّدية التّي أظهرتها إيران أمام أعظم قوّة عالمية (أمريكا) وأمام أكبر قوّة إقليمية (الكيان)، هل بإمكان أمريكا ومن ورائها الكيان تجسيد المثل العامي ” أعطيني قرطلتي ما حاجتي بعني”. يبدو وأنّ الأمر كذلك، خاصة في ظلّ ما لحق الكيان من خراب وموتى واستهداف للبنى التحتية، لم تسلم منه لا مدينة ديمونة ولا مطار بن غريون ولا الحياة اليومية العادية للمواطن الإسرائيلي الذي يعيش ضغوطات نفسية وحياتية لم يسبق له أن عرفها. زائد الخسائر المالية والاقتصادية التّي يتكبدها الكيان وأمريكا أيضا باعتبار التكلفة الباهظة لهذه الحرب؟
وفي هذا الإطار بدأت الضغوطات على الجانب الأمريكي خاصة من قبل الصحافة الأمريكية التّي أكدت في أحد المقالات وأنّ ” الجدل الدائر في واشنطن حول إذا ما كانت الحرب مع إيران ستتحول إلى مستنقع يغفل جوهر القضية الحقيقية وأنّ الرئيس ترامب وأمريكا غارقان في هذا المستنقع بالفعل. وترى وأن الخطأ لا يكمن فقط في قرار الانخراط في الحرب بل في غياب استراتيجية متماسكة تربط بين النجاحات العسكرية التكتيكية والهدف السياسي النهائي. وبالتالي ستجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معضلة مركبة : فوقف القصف لا يعني انهاء الحرب، إذا يمكن لإيران مواصلة الضغط عبر أدوات غير تقليدية، أبرزها تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمنح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي تتجاوز قدرتها العسكرية التقليدية” و من هذا المنطلق سنعالج مدى ارتدادات هذه الحرب وكيفية الخروج منها؟
كيف الخروج من هذه الحرب المدّمرة؟
في الحرب، عادة ما يملي الطرف المتفوق شروطه على الطرف الآخر. ولكن يبدو وأنّ إيران، رغم عدم تكافئ قدراتها خاصة العسكرية مقارنة مع أمريكا أو الكيان، عرفت كيف تحصر أعدائها في الزاوية، وذلك عبر ورقة مضيق هرمز، فضلا على ما ألحقته أيضا من أضرار جسيمة في الجانب الأمريكي والإسرائيلي؟
ومن هذا المنطلق، وضعت إيران شروطها لإنهاء الحرب. منها الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم ودفع تعويضات وتقديم ضمانات أمنية دولية بعدم مهاجمة إيران مستقبلا؟ بل ذهب بعض المسؤولين الإيرانيين إلى الإشارة بحتمية رحيل القوات الأمريكية من الخليج. فهل تقبل الإدارة الأمريكية بذلك؟ أم سيحاول ترامب التصعيد و من ذلك إصداره الأوامر لوحدة المشاة البحرية ( 2500 جندي) بالانتقال إلى منطقة الشرق الأوسط وهي في طريقها من المحيطين الهندي والهادي بقصد الاستيلاء على جزيرة خرج؟
تصعيد قادم؟
يبدو وأنّ منطقة الشرق الأوسط قادمة على المزيد من توسيع نطاق الصراع، ولا أحد يمكنه التكهن بما قد تنتج عنه من عملية استنزاف للجانبين الأمريكي / الصهيوني وإيران. خاصة وقد تدخل جهات أخرى في هذا الصراع مثل الحوثيين باليمن. بل يمكن ألاّ يقتصر الارتدادات على البعد العسكري فحسب بل يمكن أن تمتد إلى البعد النووي و الهجمات السيبرانية؟
والسؤال هنا هل ينجح المسار التفاوضي من تفكيك كلّ هذه الطلاسم التي تدور حول اليوم الثاني من الحرب الدائرة رحاها في منطقة الشرق الأوسط؟ هل ستحتكم الأطراف وترجع إلى رشدها، أمام ما شهدته المنطقة من خسائر على أكثر من مستوى، خاصة وأنّ كل من ترامب قادم على انتخابات نصف مرحلية وكذلك نتنياهو؟ فهل يفكرا في مستقبلهما السياسي أوّلا وأخيرا، بالرغم من أن المسار التفاوضي يبدو أكثر تعقيدا أمام محاولة كل طرف فرض شروطه على الطرف الآخر؟ من يدري قد تقع معجزة وإن انتهى زمن المعجزات؟
وفي الأخير يبقى السؤال مطروحا، هل تكسّرت شعارات “أمريكا أوّلا” والغضب الملحمي وزئير الأسد أمام الملحمة البطولية لإيران؟




