الأمين الشابي يكتب: حرب إيران..سياسة ‘الكل خاسر’ تسيطر..والقادم أعظم!


يكتبها: الأمين الشابي
التوترات بين إيران وأمريكا ليست وليدة اليوم، بل امتدت على مدى 47 سنة، وهو عمر الثورة الإسلامية بإيران على شاه إيران، رضا بهلوي، الذي كان يعدّ الحارس الأمين لمصالح الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط. وبالتالي أصبحت العلاقة بين إيران الثورة والولايات المتحدة، علاقة يشوبها الكثير من التوترات.
فإيران ترى في الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر”..أمريكا تنعت إيران بدولة تصدير “الإرهاب” وترى فيها ـ وهي المنتمية إلى حلف أعدائها، روسيا والصين ـ مصدر ازعاج لمصالحها بالشرق الأوسط. هذا فضلا عن الكيان الصهيـ. وني الذي يرى في إيران، العائق الكبير أمام مشروعه التوسعي بل ويمثّل تهديدا وجوديا له. فوجد كل منهما ـ أمريكا والكيـ.ان ـ ضالته في الحرب الأخيرة للتخلص منها و إرجاعها إلى العصر الحجري’ كما يتدّعيان. ولكن السؤال ما سبب إهدار فرصة التفاوض الأخيرة والتهديد بالرجوع للحل العسكري ومنطق القوّة؟ وما هي تداعيات هذه العودة المجنونة إلى منطق القوّة، على العالم عموما وعلى منطقة الشرق الأوسط خصوصا؟
فشل المفاوضات رغم كثرة المهاترات
لأكثر من 39 يوما، والكلّ يستعرض عضلاته على الطرف الآخر. قتل بدون أي اعتبار للكائن البشري، ودمار شمل كل مرافق الحياة المدنية والمقدرات العلمية والتعليمية والصحيّة والبنى التحتية وغيرها. وذلك بعد أن طال كلّ الوسائل الدفاعية العسكرية لكلى الطرفين المتحاربين (إيران من جهة وأمريكا والكيان من جهة أخرى). لتجنح، بعد كل ّتلك الخسائر، الأطراف المتنازعة إلى حوار ديبلوماسي فرض نفسه على الجميع، وعلّق عليه أيضا، الكثير من الآمال للجعل حدّ للانفلات في استعمال القوّة المفرطة ولليّ ذراع الطرف الآخر.
ولكن يبدو وأنّ توازن الرعب بين الطرفين، دفعهما لتجربة وسيلة التفاوض لعلّها تكون مخرجا لكل الأطراف وصون ماء الوجه. ولعلّ هذا العنصر الأخير (توازن الرعب) هو وراء محاولة كلّ طرف، من فرض وجهة نظره أيضا، وبالتالي تحقيق مطالبه التي عجز على تحقيقها عبر القوّة. فكانت مفاوضات اسلام آباد – التي اعتقد البعض ستكون سببا لحلحة الوضع ـ ولكن يبدو وأنّ النتيجة كانت عكسية. وبالتالي، الباب سيفتح من جديد على مصراعيه لجولة جديدة من الحرب والتي قد تذهب بعيدا هذه المرّة وتلحق أضرارا كبيرة، لا بالأطراف المتنازعة فحسب، بل بكلّ العالم الذي يرقب بكل جدّية مآلات هذه الجولة من الحرب ومدى ارتداداتها على الجميع خاصة أمام مسألة الطاقة، باعتبار منع العبور عبر مضيق هرمز عن كلّ السفن، وما يعنيه ذلك من عرقلة الملاحة العالمية وبالتالي الجمود الاقتصادي. فضلا عن الفوضى التي قد تشمل كل منطقة الشرق الأوسط نتيجة هذه الجولة من الحرب؟
استنزاف عسكري واقتصادي ومعنوي
المتتبع للصراع في الشرق الأوسط وتحديدا، الحرب الدائرة رحاها بين إيران من ناحية وأمريكا والكيان من ناحية أخرى، يلاحظ انتقال المواجهة بين هذه الأطراف، من الحروب الخاطفة والسريعة، إلى حرب الاستنزاف الطويلة الأمد، خاصة أمام عدم توازن القوى بين الأطراف المتحاربة. ومن هنا ندرك مدى قدرة الصمود المادي والنفسي لهذه الأطراف؟ ولعل هذا النوع من الحرب، تتوخاه ايران أمام أعدائها (أمريكا والكيان).
ومن هذا المنطلق، يبدو وأنّ إيران صمّمت نظاما عسكريا مخصصا لحروب الاستنزاف الطويلة بل وجرّبت فعاليته وقدرته – رغم الهجمات الجويّة المكثفة عليها ورغم الاغتيالات التي طالت كبار القادة. وهذا ربما ما يفسّر توسيع الحرب لتشمل دول الخليج لتجعل من هذا الصراع صراع أزمة تطال كلّ العالم وبالتالي تضغط على الاقتصاد العالمي خاصة مع غلق مضيق هرمز، وبذلك تشتت الجهود الدفاعية للأعداء.
تحمّل الألم أهم من امتلاك الطائرات المتطورة
وعليه، نرى وأنّ منطقة الشرق الأوسط عالقة في وحل الاستنزاف، على أساس عدم توازن القوى، ففي الوقت الذي تحاول فيه أمريكا والكيان إيقاع أكثر قدر من الدمار المادي بالبنية التحتية الإيرانية واللبنانية عبر الجوّ واستعمال أحدث الطائرات فتكا، لإيران وحلفائها القدرة على التكيف والعمل اللا مركزي لاستنزاف العمق المدني والاستراتيجي لخصومهم.
وبالتالي فإنّ ميزان القوى لم يعد لمن يمتلك الطائرات الأكثر تطورا وفتكا، بل لمن يمتلك القدرة على تمّل المزيد من الألم لفترة أطول. وأيضا لمن يستطيع الحفاظ على صورته منتصرا في حرب نفسية وإعلامية شرسة عبر حرب تستنزف الطرف المقابل؟ ولكن يبقى الطرف الحاضر الغائب في هذه الحرب بين إيران وأمريكا والكيان، هي دول الخليج التي طالتها الحرب دون أن تكون طرفا فيها. وطالها أيضا الكثير من الدّمار والتبعات الاقتصادية السلبية؟
يبدو وأنّ دول الخليج أمام هذه الحرب ينطبق عليها المثل العربي ” لا ناقة لنا فيها ولا جمل” باعتبار وأنّ الحرب شملتها بدون أن تكون طرفا فيها. وربما ذنبها الوحيد أنّ أراضيها تضمنت قواعد عسكرية لأمريكا؟
ولكن السؤال هنا، وبعد أو وقع الفأس في الرأس، كيف ستتصرف هذه الدول الخليجية، التي دعت إلى التهدئة منذ انطلاق هذه المواجهات. خاصة وأنّ الهجمات طالت المنشآت النفطية والمرافق الحيوية للدول الخليجية وأثرت سلبا على اقتصادها باعتبار اعتمادها بالأساس على تصدير الطاقة. وبالتالي، يبدو وأن هذه الدول في مأزق كبير، خاصة وهي كانت تعتقد وأنّ أمريكا ستدافع عنها، ولكن العكس هو ما حصل؟ ولكن أيضا من جهة أخرى قد يسبب انسحاب أمريكا من المنطقة فراغا استراتيجيا قد يعرض المنطقة لمزيد من الاضطرابات؟ انطلاقا من هذا الوضع، الذي لا تحسد عليه، على دول الخليج تقييم الوضع بطريقة عقلانية وبالتالي تعيد كل حساباتها خاصة أمام ما تعرضت له من خذلان أمريكي؟
السيناريوهات الممكنة لنهاية لهذه الحرب
أمام سقوط كلّ القواعد الحرب التقليدية – وخاصة مسألة التفوق العسكري الذي لم يعد له قيمة كبيرة أمام تبني حروب الاستنزاف كوسيلة للردّ على انخرام هذا التوازن – و أمام أيضا فشل المحادثات الديبلوماسية، نرى أنّ المنطقة مقبلة على حرب مدمرة بالاعتماد على ما نشره “ترامب” وذلك بعد فشل المحادثات مع إيران بالقول ” إمكانية طرح الحصار البحري في حال لم ترضخ إيران للشروط الأمريكي”، وهذا في نظرنا المتواضع لا يكتب له النجاح باعتبار وأنّ إيران تمتلك حدودا برية واسعة مع عدّة دول مما يحدّ من فاعلية أي حصار بحري منفرد؟
وأمام كلّ ذلك، وهذا هو السيناريو الأقرب أن تنزلق المنطقة نحو جحيم عسكري يستهدف عصب الحياة الاقتصادية في ايران و الخليج أو الرضوخ لحرب استنزاف طويل الأمد، ربما يفضي إلى تسويات على أساس الاعتراف بالأمر الواقع.




